د. جاسم سلطان: المسلمون في حاجة للمصالحة بين دعوات مخاصمة الدنيا وإعمارها
د. جاسم سلطان: المسلمون في حاجة للمصالحة بين دعوات مخاصمة الدنيا وإعمارها
2009-06-12
الدوحة - العرب
دعا الكاتب والمفكر د.جاسم سلطان للتوفيق بين دعوات الخصومة مع الدنيا والانعزال عنها ودعوات إعمارها بما هو نافع ومفيد.
وانتقد الخطاب الديني الذي نبثه عبر منبر المسجد لأنه «خطاب فيه اختلالات كثيرة جدا عندما يخلط الخطيب بين العقيدة والشريعة».
وقال إنه لا يصح للخطباء أن يشتموا جيران المسجد من غير المسلمين سواء كانوا يهودا أو نصارى.
وفيما يلي الجزء الثاني من الحوار المطول الذي أدلى به المفكر القطري البارز لموقع «الإسلام اليوم».
*الحركة الإسلامية قد تكون مشغولة عن إعمار الدنيا بالإصلاح الديني، وهذا دورها المناط بها.
- هذه واحدة من إشكاليات الحالة الإسلامية الضخمة، في أحد كتب أدوات القادة التي نعدها، هناك كتاب في مفهوم التزكية والسلوك، لأن الإنسان يجد متضادات كثيرة تقوده في اتجاهات مختلفة، فهو قد يقرأ حديثا للرسول عليه الصلاة والسلام بمعنى «من خالط الناس وصبر على أذاهم خير ممن لم يخالط الناس ويصبر على أذاهم»، ثم يقرأ كتابا في التزكية فيجده يدعو لضرورة العزلة وقلة الخلطة مع الناس، لأن الخلطة مع الناس تؤدي إلى العديد من المضار، فأيهما السلوك الذي يجب أن يسلكه الإنسان ويتجه إليه، تأتي المدرسة التوفيقية لتقول: هي المساحة بين الاثنتين، وعقل الإنسان البسيط لا يستطيع أن يفهم المساحات المتوسطة، وإنما يفهم الأطراف، وبالتالي نجد عندنا مساحات من الفراغ بين من يتجه إلى الدنيا بالكامل ولا يبالي بالآخرة، ونجد من حرصه على الآخرة ما يبعده عن الحياة في الدنيا. من الإشكالات الموجودة كثرة المشتبهات في الحياة سواء في الاقتصاد أو في الاجتماع، فكل خير فيه دخن، فأصبح التحذير للمؤمن ألا يختلط بالحياة حتى لا يصيبه شيء من الدخن، وفي الوقت نفسه مطلوب منه أن يعمر الحياة بالدين ويقود المجتمعات الإنسانية، فكيف يبتعد عنها ثم يقودها؟! هذه القضية أصبحت إشكالية في العقل المسلم، وبالتالي تحتاج إلى قول شاف وبسيط يمكن أن يصل إلى عقول الناس.
في نقد خطاب التزكية الإيماني
*هل لديك ملاحظات على خطاب التزكية الإيماني داخل الحركة الإسلامية؟
- الخطاب الذي نبثه عبر منبر المسجد خطاب فيه اختلالات كثيرة جدا عندما يخلط الخطيب بين العقيدة والشريعة، ومقررات العقيدة يسحبها على مقررات الشريعة، دون أن ينتبه للفارق بين المساحتين، عندما يضرب بالنصوص الفرعية محكمات الدين، في العدل والإحسان وعدم الاعتداء وعدم الظلم، وهو يعتقد أنه محسن، ثم لا يجد من يناقشه بسبب طبيعة الأوضاع التي تحيط عادة بالخطبة المنبرية، فلا يجد من يناقشه أو يسأله عما يقول، عندما لا يدرس في المدارس الشرعية، أن يحتكم في التفصيلات إلى الكليات الكبرى بحيث تصبح هي الحاكمة، فالنصوص تتكلم عن أوضاع مختلفة في مساحة السلم، ومساحة الحرب، ومساحة العدوان، ومساحة السلام.
في عقل الإنسان المسلم قد يسحب الآيات المتعلقة بالحرب إلى أوقات السلم، وقد يسحب مقررات العقيدة على مقررات الشريعة، قد يضرب الكليات الكبرى للدين باسم الجزئيات والفرعيات، فعندما يأمر الله سبحانه وتعالى بأن غير المحاربين من أهل الكتاب لهم حرمة في الإسلام عظيمة، ويسمون بأهل الذمة، ومعنى أهل الذمة أي أنهم في ذمة الله ورسوله، وبالتالي جار المسجد النصراني يجب ألا يستمع إلى من يشتمه في المسجد ويلعنه بالليل والنهار، وإن كان يهوديا يجب ألا يستمع إلى أحد يشتم اليهود بالإطلاق، لأنهم يهود في ذمة الله ورسوله، وهذا مقرر من مقررات الشريعة الكبرى، لكن في العقيدة هناك مفاصلة، نحن لا نؤمن بما يؤمنون به، ونعتقد أنهم مخطئون فيما يقولون في الله عز وجل، فالعقيدة تقوم على المفاصلة، والشريعة تقوم على التعايش، وإذا انتقلنا من قضية أنهم كفروا بمقرراتنا الدينية، وانتقلنا إلى قضية الاعتداء اللفظي عليهم كاللعن والسب لمجرد أنهم يهود أو نصارى، نكون بذلك ضربنا أساسيات الدين، فرب العزة في محكم تنزيله يقول: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) [سورة الممتحنة:8].
المغضوب عليهم
*و «غير المغضوب عليهم ولا الضالين»؟
- هذا مقرر من حقائق الدين، لكنه جاء في العقائد وليس في الشرائع، ففي الشرائع نجد أن اليهودي الذي كان يؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام لما غاب عنه ذهب الرسول ليتفقده وسأل عنه بلطف، هذا هو البر. فقضية مقررات العقيدة لا تنسحب على مقررات الشريعة، هذا فضاء وهذا فضاء آخر، حقوق الناس تختلف عن حقوق المحاربين، المحاربون يحتاجون قسوة وقوة وحربا، وحتى في حالة الحرب فمقررات الشريعة تختلف عن مقررات العقيدة. فالغلظة تضبطها الشريعة، إن الطفل والمرأة غير المحاربين والنساك والعباد نحميهم، نحميهم من الألفاظ ونحميهم من العنف المادي.
عدم التفريق بين المساحتين يجعلنا في إشكالية كبيرة ليس مع الآخرين فقط، لكن مع ديننا نفسه، يصبح الدين نفسه غير قابل للحياة، ويصبح من حق الآخر أن يقول لك: هذا دينك دين عدواني ظالم يساوي بين القاتل وبين الإنسان المسالم. فالإنسان الذي يهديك هدية ليس مثل الإنسان الذي يطلق عليك رصاصة، لا يمكن التعامل معهما سواء.
والقرآن يخبرنا بأنهم ليس سواء، وهم على دينهم من أهل الكتاب الذين رفضوا الإسلام، وهذه المقررات الشرعية تضرب بسبب هذه الاختلالات الموجودة في الساحة.
قال لي شخص يوما: نحن آمنا أن فضاء العقيدة يختلف عن فضاء الشريعة، لأن الشريعة تسمح لنا بالزواج من النصارى ومن اليهود، ويصبحون أجداد أبنائنا، ويصبحون أخوال أولادنا، ويصبحون أمهات أبنائنا، ولا يمكن للشريعة أن تتناقض في حد ذاتها، فزوج يلعن زوجته، ويلعن أجداد أبنائه، ويشتمهم بالليل والنهار، ويخطب منهم ويتزوج!! هذا لا يستقيم، الشرع لا يمكن أن يضرب بعضه بعضا، فهذا الأخ الكريم قال لي: هناك نصوص تشغب على الموضوع، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود)، فقلت له: لماذا لا تستمر؟! رب العزة يقول عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) [سورة آل عمران:152]. هذا تقرير حقائق وليس تقرير حقوق، هناك حقائق تخص النفس البشرية القرآن يسوقها في معرض التعريف بهذه النفسية، لكن عندما نأتي للشريعة فهناك أحكام مختلفة، فعندنا ثلاث مساحات نحتاج إلى أن نميز بينها في الدين، مساحة العقيدة، ومساحة تقرير الحقائق، ومساحة الشريعة (بمعنى القانون)، إذا خلطنا هذه المساحات ببعض تصبح عندنا خلطة لا أول لها ولا آخر ولا معنى لها.
العقيدة والشريعة
*لكن من يحدد الفاصل ما بين مساحة العقيدة ومساحة الشريعة إذا كانت بعض كتب العقيدة ذاتها مختلطة بمقررات الشريعة؟
- أعتقد أن هذا واجب المدارس الشرعية الأساسي قبل تعليم الفرعيات، إذا أردنا بناء بيت نبني الأسس أولا، ثم نقيم البناء، أما إذا لم تبن الأسس الصلبة في هذه القضايا وفي هذه المساحات والحدود التي تفرق بين هذه القضايا بطريقة علمية ومنهجية، فسيكون البناء هشا وهذا واقعنا اليوم.
لا يفترض من شخص مثلي أن يعمل تحديدا لفصل هذه المساحات في كل زواياها، لكن الذي يمكن أن نشير إليه أنه من المعروف دينا أن هناك مساحة اسمها العقيدة ولها مقرراتها، وهناك مساحة اسمها الشريعة، وهناك مساحة اسمها تقرير الحقائق، الأمثلة عليها ظاهرة لا تحتاج إلى كثير عناء.
الآن ستبقى عندنا مساحة (النصوص المشاغبة)، كنص «اضطروهم إلى أضيقه»، هذه مسائل سهلة إذا ردت إلى الكليات، يمكن إعمالها في فضاء ضيق في حالات محدودة، وبالتالي ينتظم عقد الإسلام ولا يصبح شيء لا يمكن فهمه، وعندما نقول إن الإسلام دين السلام، ثم يأتي شخص ويقول: لا سلام مع الكفار، فهناك هدنة.
ماذا تعني الهدنة؟
*الهدنة تعني في جوهرها استعدادا لحرب أخرى إذا كان هذا منطقنا. للطرف الآخر الحق أن يقول لك: لماذا أنا أجعلك تستعد لحرب أخرى؟ أنا لست محتاجا للهدنة الآن، فعندي اليد العليا وسوف أبيدك، هل من المنطق ومن الصواب أن يكون هذا هو تفسيرنا للدين؟
نطرح في بعض الأحيان أن المسلمين لهم خطاب في حالة الضعف، ولهم خطاب في حال تعادل القوى، ولهم خطاب في حال التفوق، ويطالبون بناء على ذلك أن يصاغ خطابنا المرحلي بهذا الاعتبار، وليس بناء على قيم العدل، ويستبطنون أننا لو قوينا لهاجمنا الآخرين.. أين هو المسوغ القيمي الذي تستوي فيه البشرية ويكون ظاهرها كباطنها؟! هل الدين هو عبارة عن احتيال على البشرية؟ وكأن المسلمين لا ذمة لهم ولا عهد، وهم يتربصون بالإنسانية الدوائر، فكل عهد يبرمونه مع الإنسانية هو عهد مؤقت حتى يستطيعوا أن يتقووا وينقضوا هذا العهد.
وبهذا الخطاب وأشباهه نحن إما أن نضرب مقررات الدين، وإما أن نضرب المسوغ الأخلاقي. يجب أن نقيم اتساقا مع الواقع الخارجي، ومع واقعنا الداخلي قبل الخارجي، يجب أن يكون خطابنا متسقا مع بعضه البعض لراحة ضميرنا نحن كبشر قبل أن يكون لإرضاء الآخرين.
الخلل في الفهم لا في النص
*أخشى أن يفهم البعض من كلامك أن هناك اختلالات في بعض «النصوص الدينية»؟
- قطعا ليس هناك اختلالات في الدين بمعناه المقدس، لكن فهم الإنسان له قطعا فيه خلل، فعندما نتهم هذه الاختلالات لا نتهم الدين بها، وإلا يصبح المقدس غير مقدس، لكن نحن نقول إن الدين براء من أفهام الناس وتقريراتهم التي تجعله في بعض الأحيان يبدو ظاهريا متضاربا، لكن الأصل أن الدين يقيم اتساقا في حياة الإنسان ويجعله متوافقا مع بيئته ومكانه وزمانه ويجعل لفعله منطقا أخلاقيا. لكن الآن في كثير مما نسمعه تبدو حجة الخصم أقوى، فأنت تتربص به الدوائر وهو اليوم يمتلك القوة، فلماذا لا ينهيك قبل أن تنهيه؟ لماذا لا يتغدى بك قبل أن تتعشى به؟ هكذا يقال في المنطق البسيط، فنحن أمة في منطق البعض تنتظر الفرصة حتى تقتحم على الناس بلادهم وتطردهم منها، نحن ننتظر الفرصة حتى نغير على الإسبان، وننتظر الفرصة حتى نغير على الإيطاليين، وننتظر الفرصة حتى نغير على دول العالم، فمن حق الآخرين عقلا وبداهة أن يبادروا إلى إنهاء هذا الخطر المحدق بهم.
هذا الخطاب الذي نطرحه في كثير من الأحيان يحتاج إلى مراجعة حقيقية حتى يتسق مع بعضه بعضا، نحن نشتم المعتدين من اليهود ونشتم المعتدين من النصارى ونشتم المعتدين حتى من المسلمين، هذا حق طبيعي، لكن في غياب هذه الأسباب ليس من حقنا إيذاؤهم لا بكلمة ولا بلفظ ولا بفعل، والله سبحانه وتعالى يقول: «إن الله لا يحب المعتدين»، «إن الله لا يحب الظالمين»، هذه محكمات.
وأنا في تقديري أرى أن هذا جزء كبير جدا مما يجب أن يحدث في فترة ما نسميه باليقظة، لأنه على هذه القواعد المختلة قامت مدارس شرعية وتواتر الخطاب حتى أصبحت كأنها مسلمات وأصبح الالتباس أصلا، وأصبحت المطالبة بإيجاد تناغم بين هذه المساحات المختلفة من الدين تبدو وكأنها بدعة، وكأنها أصل الدين. ونصوص القرآن والسنة لا يضرب بعضها ببعض.

التعليقات
أضف تعليقاً