د.جاسم سلطان: المشروع الفكري الإسلامي في حاجة إلى مراجعة شاملة
الدكتور جاسم سلطان من أبرز الرموز الإسلامية في قطر. وصفه الدكتور عبدالله النفيسي بأنه واحد من «القطريين النابهين».
يتميز بهدوئه الأخاذ، واسترساله المنطقي في حديثه كفنان تشكيلي يهتم بأدق التفاصيل حتى تظهر لوحته في أبهى صورة، يأخذك إلى آفاق بعيدة تجبرك على أن ترمي بتساؤلاتك جانبا وتذعن مستمعا بكل حواسك.
يؤكد كثيرا على ضرورة المراجعة، والنقد الذاتي، وتفجير الأسئلة من جديد، ومن أجل ذلك قدم (مشروع النهضة - سلسلة أدوات القادة) في خمسة كتب موشحة بالسواد، ربما لأن الوصول إلى حالة النهضة يحتاج لمزيد من الجهد والعناء، أو ربما لأننا بعيدون جدا عن النهضة.
من مصر -منشأ الحركات الإسلامية بشتى ألوانها- حصل الدكتور جاسم سلطان على بكالوريوس في الطب، ثم حصل بعدها على الزمالة البريطانية الأولى في لندن ليكون رئيسا لقسم الخدمات الطبية في مؤسسة قطر للبترول.
يرأس حاليا مجلس إدارة بيت الخبرة للتدريب والتطوير في الدوحة، ويقدم استشاراته للعديد من المؤسسات الحكومية والخاصة.
ملفات «دسمة» تناولها الدكتور جاسم سلطان في حوار مطول مع موقع «الإسلام اليوم» حول (الصحوة الإسلامية من اليقظة إلى النهضة)، و(التنظيمات الإسلامية وفاعلية القوالب التقليدية)، و(أدوات التحول النهضوي) وغيرها.
ونظرا لأهمية الحوار ننشر أبرز ما فيه على حلقات بدءا من هذا الأسبوع.
لديكم ملاحظات على فكرة (التنظيمات الإسلامية) ومدى فعاليتها في ظل استمرارها على هذه القوالب التقليدية؟
الحالة الإسلامية أطلقت مشروعها وفي ذهنها مسلمات معينة، سقطت الخلافة الإسلامية ولم تعد الدولة الإسلامية موجودة، وبالتالي كان عليها أن تعيد إنشاء البناء المصغر للخلافة في بنيتها وتشكيلاتها، ولأن الإسلام نظام شامل فبدأت تنشئ المنظمات الشاملة التي ستقوم بهذا الدور الذي افتقدناه في الخلافة الإسلامية، وهذا المنطق كان مقبولا في حينها، لأن مسلمته الثانية أن هناك فراغا أو إمكانية إحداث فراغ حتى يحتله هذا المشروع الإسلامي، ثم يبسط أجنحته على الحياة، فتعود الدولة الإسلامية ابتداء، ثم دولة توحيد الخلافة بشكل لاحق، هذه الأفكار الابتدائية في حقيقة الوضع اصطدمت بأن الواقع ليس فيه فراغ، لا على المستوى المحلي، ولا على المستوى الإقليمي، ولا على المستوى العالمي، فهناك دولة مركزية، وأينما وجدت الدولة المركزية ستصطدم بهذه البنى الموجودة، وهذا الذي حدث، إن هذه البنى بتشكيلاتها التي أنشأتها وبأدبياتها التي أنشأتها لإسعاف هذه المنظومة اصطدمت بواقع صلب جعلتها تدفع تكاليف ضخمة جدا، فتم استنزافها في هذا الصراع، وبعد ذلك تم تفريغ طاقاتها في مساحات مثل أفغانستان وغيره، ثم دفعت في مساحات العنف حتى تستهلك بقية طاقاتها، ثم على مساحة الأرض التي تعمل فيها أصبحت محاصرة حصارا شديدا، هذا النوع من التفكير يحتاج إلى مراجعة المسلمات التي انطلق منها هذا المشروع.
لما انتقل المشروع إلى مناطق العالم الإسلامي انتقلت معه هذه المسلمات والأشكال التي أوجدتها هذه المسلمات، فهذه المسلمات إذا لم تكن صلبة بما يكفي وتتم مراجعتها ستنتج لنا نفس المشاكل التي أنتجتها في الفترات السابقة.
كل ما أدعو إليه أن نراجع هل هذه المسلمات صحيحة أم لا، فالجزء الصحيح يثبت والجزء الخطأ يزال. المساحات التي يجب العمل فيها يجب التركيز عليها، فاليوم هناك خبرة عملية، فلو كنت موجودا أيام الشيخ حسن البنا لقلت إن هذا حل محتمل لكن بعد مرور 80 سنة على المشروع أليس من العقل أن نعمل مراجعات حقيقية في هذه الأفكار، والتي أصبحت وكأنها جزء من الدين؟ أن يصبح هذا التصور للحل أزليا وكأنه وحي مقدس، أعتقد أن هذا القول لم يفكر فيه حتى صاحب الفكرة الأساسية، وإنما هو مما أسبغه الأتباع على هذه المنظومات الفكرية، وهذه المراجعات يجب ألا تشمل فقط الأفكار، لأن الأفكار بني عليها عمل مؤسسات التنظيمات وأشكال واستجابات للواقع الخارجي، فالفكرة وإنتاجاتها كلها تحتاج إلى مراجعات.
أنا شخصيا لا أؤمن أن هناك حلا واحدا نموذجيا. هناك حلول قابلة للتجريب، فقد ننتج حلا الآن محتملا يبدو منطقيا، فإذا لم يعمل وجب على من بعدنا أن يراجعه، فيلغيه تماما أو يعدله، سيكون هذا خياره، فكلها حلول بشرية لمحاولة إيجاد الوسيلة الذهبية للتعاطي مع الواقع، ولأنها جهد إنساني فهي قابلة للنظر مرة أخرى، حتى لو حاول أن يستند إلى نصوص شرعية، فالقرآن «حمال أوجه»، ومن باب أولى السنة كذلك، فكل شخص يستطيع دعم ما يذهب إليه بمجموعة آيات ومجموعة أحاديث ومجموعة تفسيرات ومجموعة تأويلات، والكل يدعي وصلا بليلى، فاليوم لا توجد مجموعة إسلامية سواء كانت حكومات أو كانت من أفراد أو كانت تنظيمات إلا ولها استنادات شرعية.
نحن بحاجة إلى مراجعة في عالم الأفكار، لقد أوجدنا عالم أفكار للمجتمعات الإسلامية، وعالم الأفكار هذا قد يقود إلى خير أو شر، كذلك نحتاج إلى مراجعة عالم العلاقات، مساحة العلاقات التي أنشأناها على مستوى الخطاب وعلى مستوى الاتصال تحتاج إلى مراجعة، هل ستقودنا هذه الاتصالات والعلاقات إلى خير أم سوف تؤدي بنا إلى كوارث؟
وأنا لا أتكلم هنا كأفراد، وإنما أعني المشروع الإسلامي، لأنه هو الجوهر، هناك مساحة الأشياء، والمشاريع تحتاج إلى مراجعة، عندنا قائمة طويلة من المشاريع تنفق فيها أحيانا مئات الملايين. أين منها الضروري؟ وأين منها الحاجي؟ وأين منها التحسيني؟
فهذه المراجعات الشاملة على مستوى الأفكار، وعلى مستوى العلاقات، وعلى مستوى المشاريع والإنجازات أصبح جوهر ما يجب عمله خلال مرحلة اليقظة إذا أردنا أن نعبر إلى عالم جديد. في المحصلة النهائية الإجابات التي سبقت أدت ما عليها، أنتجت لنا ما أنتجته، وإعادة تكرارها خلال العقدين القادمين أعتقد أنه جريمة في حقنا وحق الإسلام نفسه كمشروع، وكدين، وكرحمة للعالمين.
أزمة العقل الديني البسيط
قدم الدكتور جاسم سلطان خمسة كتب في رسم (مشروع النهضة)، ما هو الدافع وراء توجهكم نحو قضية النهضة والتأكيد عليها حتى تتحول لديك إلى مشروع؟
المرء في صحبته للحالة الإسلامية في تشكلاتها خلال ما يقرب من الـ 30 سنة الماضية من العمر شهد مراحل فيها آمال عريضة تبدو الدنيا تفتح أحضانها للإسلام، وشهد انتكاسات أيضا تبدو أن الدنيا قد أوصدت كل أبوابها أمام الاستجابة لمنهج السماء، وبين هذه وتلك كانت تمر كل أنواع التقلبات النفسية.
في المراجعات التي بين الإنسان ونفسه يقول: نحن لا نستطيع أن نصلح العالم الخارجي إذا لم نستطع أن نصلح العالم الداخلي، عالم أفكارنا، عالم مشاعرنا، وأول علامات الصحة (المراجعات): نحن أين أخطأنا؟ وأين أصبنا؟ هل هناك احتمال في العقد القادم أن نعيد إنتاج نفس الإشكاليات ونفس الظواهر لأن تركيبتنا النفسية والعقلية تحتوي على نفس المعطيات وبالتالي استجاباتنا ستكون من نفس النوع، أو نستطيع أن نشكل المستقبل بقدر ما من خلال قول الرسول عليه الصلاة والسلام «اعقلها» فننجز مشروع «اعقلها»، ثم نتوكل على الله سبحانه وتعالى في محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه حسب الجهد البشري للإبداع؟
في هذه المراجعات يكتشف المرء أن هناك اختلالات ضخمة في عقلية صانع القرار على المستويات المختلفة في الحالة الإسلامية، وعندما أتكلم عن الحالة الإسلامية لا أتكلم عن الحالة الإسلامية بالمعنى المتعارف عليه «حركات وتنظيمات وتيارات ومستقلين»، أتكلم عن مجمل الأمة، فيشمل حديثي قياداتها السياسية، قياداتها الاجتماعية، كل الناس الفاعلين في أمة محمد، فإذا نظرنا إلى بنية الإسلام فسنجد أن أساس الإسلام هو العقيدة والتوحيد، ثم المفردات المتصلة بموضوع العقيدة، وبعد ذلك تأتي طبقة أخرى من العبادات التي تسند العقائد، وتعبر عنها وتسند البنيان الفوقي، وسنجد عندنا مساحة من الأخلاقيات التي يدعو لها الإسلام، وتشكل طبقة ثالثة فوقها، ثم يأتي بعد ذلك البناء الخارجي الذي يحوي السياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام والتعليم والصحة والقانون ونظام الدفاع عن الدولة ونظام حماية الدولة من الداخل، نظام دفع المظالم عن المجتمع، مجموعة النظم الكاملة التي تشكل الحياة الخارجية.
إذا أخذنا ثقافة الشاب المسلم خلال الحقبة الماضية، أتكلم عن الثقافة الصلبة وليس عن الثقافة السطحية التي هي مجرد إدراك للأشياء، أتكلم عن العلم بالأشياء بقدر يسمح باتخاذ أحكام في المساحات المختلفة.. سنجد أن حجم التركيز في مكتبة الشاب المسلم بشكل عام كان على العقائد وعلى العبادات وعلى الأخلاق، بينما إذا دخلنا إلى السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والقانون والدفاع فسنجد المكتبة تكاد تكون خواء، وحتى عندما نلامس هذه المساحات نلامسها بمقاربات تاريخية من عصور لا علاقة لها بهذا العصر والتطورات التي حدثت فيه.
أما تكوين صاحب القرار في الحالة الإسلامية بشكل عام فهو يكاد يكون شبه خلو من هذه المساحات التي تصنع الحياة الخارجية، وهذا أنتج لنا مساحة ضخمة من الوعي بالدين والوعي بالهوية، انعكست في العمرة والحج والعبادات وحفر الآبار وبناء المساجد والحماس للدين، لكن لم تنتج لنا رشدا في اتخاذ القرار لتحريك الحياة في اتجاه الدين، لأن أدوات تحريك الحياة موجودة في السقف الأعلى الذي تحدثنا عنه وليس في الطبقات الثلاث، فالطبقات الثلاث تأسيس، لكن تحريك الحياة يحتاج من يعلم بشؤون الحياة، والعلم بشؤون الحياة يقتضي امتلاك أدوات هذا العصر، يطمح المسلمون أن تتحول هذه الصحوة إلى نهضة، ونحن نعتقد أن هناك فجوة في المنتصف لا بد من عبورها وهي استكمال أدوات الحكم على الواقع، بحيث إن صانع القرار الذي سيتخذ حكما في قضايا الحياة يكون ملما بشؤون الحياة، فالشخص الذي لا يكون لديه إلمام حقيقي بالسياسة والاقتصاد والاجتماع وحركة التدافع بين البشر فهو خارج إطار العصر ومقارباته، كمن يتحدث في الدين وليس له علم بأصول الفقه، فيقرأ النص ثم يفتي به، ويقول لك إنه مثقف ثقافة إسلامية، فهل تكفي الثقافة الإسلامية المجردة للحكم الشرعي وإطلاق الأحكام أم يجب على الإنسان أن يلم بأدوات العلم الشرعي؟ وهذا الشيء نفسه في مساحات الحياة، وهي قضايا الحياة والموت في هذه الدنيا، ونحن ندعو (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)، فالآخرة صرفنا عليها جهدا كبيرا جدا، لكن في «الدنيا حسنة» هذه بعيدة جدا عن متناول اليد فيما نراه على الساحة، فنحن نريد أن نعبر هذه الفجوة، فجوة اليقظة بمتطلبات الفعل الأساسية لاقتحام الحياة وإجراء تغيرات نافعة.
مواضيع ذات صلة
د. جاسم سلطان: المسلمون في حاجة للمصالحة بين دعوات مخاصمة الدنيا وإعمارها
د. جاسم سلطان: لسنا بحاجة لغزو الآخرين لتبليغ الدعوة الإسلامية في عصر الفضاءات المفتوحة




التعليقات
السلام عليكم .. لله درك يا
السلام عليكم ..
لله درك يا أستاذ جاسم على هذا الجهد الواضح والبين في محاولة ترميم الانشطارات الفكرية بل وحتى الروحية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم .
حقيقة يا استاذي الكريم لقد تجولت كثيرا بين اسطر كلماتك وكلمات كثير من المفكرين العملاقة أمثال الاستاذ عبدالكريم البكار وحقيقة رأيت بصيص نور يشع في ضلام حالك فاستبشرنا به خيرا خصوصا ونحن من هناك في أخر طبقات المجتمع نقطن لا أحد يعرفنا ولا نعرف احد سوى الدوران في فلك الاهتمامات الحياتية اليومية من قعر ذلك البئر أو من محيط ذلك الفلك أصرخ بأعلى صوت ماذا أفعل ؟ فأني أختنق! والحمدلله الذي بعث في الامة امثالك وامثال المفكرين العباقرة كالدكتور عبدالكريم بكار. فأبشروا باذن الله جهدكم لن يذهب سدى.
حقيقة ينبغي التفكر فيها
قال تعالى (المر تلك آيات الكتاب ....ولكن أكثر الناس لايؤمنون)الرعد 1.... والاسلام تعامل مع الاكثرية المخالفة فهي اقرار وضحه رب العباد لعباده، ونجح فيه الاولين لحد ما لكننا نغيب عن هذا المعنى والمضمون ونشغل انفسنا بالحكم على الناس،قال تعالى( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون )يوسف...106 وذلك النوع مفتوح المواصفات على وضعنا الراهن ...اننا حين نقول لابد من المراجعة فنحن لاندعوا لمراجعة الاسس ومفاهيم الاسلام وانما مراجعة اجتهادات وضعت في زمن ما واعتبرت من الثوابت بغض النظر عن اي بشر وضعها مالم يكن معصوما وليس غير الحبيب معصوما...لكن علينا ان نكون عقلانيين وبهذا نكون ثوريين بمنطق الاسلام وليس ثوريين بمنطق يقود للغوغائية وضياع الاسس ....بارك الله فيكم وجزى الله الدكتور خيرا وسدد خطاه واكملنا ببعضنا
)
أضف تعليقاً