المعرفة الدينية أساسية والوعي بها قد يكون مشوشاً
المفكر جاسم سلطان في حوار لـ «العرب»:
المعرفة الدينية أساسية والوعي بها قد يكون مشوشاً
2009-01-30
حاوره: محمد عالي الهاشمي
يعد الدكتور جاسم سلطان أحد رموز الفكر في قطر وفي الخليج عامة. وأحد المفكرين الإسلاميين الكبار
وهو حاصل على بكالوريوس في الطب في مصر ثم حصل بعده على الزمالة البريطانية الأولى في لندن، ليكون رئيسا لقسم الخدمات الطبية في مؤسسة قطر للبترول.
يرأس حاليا مجلس إدارة بيت الخبرة للتدريب والتطوير في قطر، ويقدم استشاراته للعديد من المؤسسات الحكومية والخاصة.
في لقائه مع «العرب» يتحدث ا المفكروالباحث الأكاديمي جاسم سلطان عن مشروعه النهضوي ومفاصل مراحله وحزمه الأساس ،ويشير إلى دور المعرفة الدينية في استيعاب حياة الواقع وقضايا أخرى ،نتلمسها في الحوار التالي :
أولا نريدكم أن تحدثونا عن مشروعكم، مشروع النهضة؟
مشروع النهضة.. هذا العنوان حقيقة يعكس استمرارية المشكلة التي بدأت من دخول نابليون بونابرت إلى المنطقة. وهي مشكلة كيف نخرج من هذا المأزق الموجود في المنطقة العربية والإسلامية.
الآن نحن في سنة 2008 ونحن قد أطلقنا هذا المشروع سنة 2004. وفكرته الأساسية هي: ما الذي ينقص ويمكن أن نسهم به كرافعة للتطوير؟ وفكرة النهضة ليست جديدة فقد كتب عنها أناس كثر كلاما نظريا كثيرا جدا فلم نكن نحن أول ولا آخر من يكتب عنها. وما زال السؤال يطرح نفسه على الواقع العربي والإسلامي إلى حين نخرج من هذا الواقع. فكانت الفكرة الرئيسة لدينا: ما الذي يمكن أن نسهم به؟ وأين؟
وقضية النهضة قضية دول وليست قضية أفراد. ولكن ما الذي يمكن أن نصنعه من جانبنا في هذه الصورة الكلية التي تحتاج نخبا وحكومات وأفرادا يعملون في إطار هذه الفكرة؟ فوجدنا أن المشكل الرئيس الذي تمكن المقاربة منه هو مشكل الفكر في العالم العربي والإسلامي. وبعد ذلك جاءتنا فكرة أخرى وهي: أي نوع من الفكر الذي نتكلم عنه؟ فالفكر واسع، فتكلمنا عن الأفكار العملية التي يحتاجها الإنسان حتى يكون فاعلا في النهضة. ولكن في أي قطاع من المعرفة؟ فالأفكار العملية سؤالها كبير جدا. فوجدنا أن العلوم الإنسانية هي منطقة فراغ كبيرة في العالم الإسلامي، فمع ظهور تيار الصحوة الإسلامية الذي هو آخر تيارات عمليات الصحوة في العالم، فقد سبقتها الصحوة الوطنية ثم القومية وأخيرا الصحوة الإسلامية. والإشكالية الكبيرة أننا دخلنا مساحة الفعل المجتمعي والسياسي والاقتصادي والانفولجيا وكل العلوم التي نحتاجها في هذا العصر مسلحين فقط بالعقيدة والعبادات والأخلاق. فكلما اقتربنا من هذه المساحة وجدنا إخفاقات –إن صح التعبير- لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره وليس جزءا من تصوره. فاشتغلنا بمشروع اسمه «أدوات القادة» وفكرته أن نزود الشاب العربي والمسلم بشكل عام بأهم الحزم المعرفية الأساسية التي يحتاجها والجزء العملي منها، فما الذي يحتاجه الشاب في مقدمات التفكير،ليس مزودا به لا في المدارس ولا في الحياة العملية؟ وما الذي يحتاجه في خدمة المعرفة في العلوم الإنسانية والسياسية والاقتصادية وعلم الاجتماع؟ وكيف يستطيع أن يغوص في هذه العلوم؟ فنحضر أهم المعارف الأساسية ونوفرها مركزة له بحيث لا يذهب ويتوه في مساحات لا يعرف فيها شيئا، ثم في مساحة الدين هل يستطيع تمويل المعرفة الدينية بحيث تصبح المعرفة منتجة؟ لأن المعرفة الدينية معرفة غالية أصلها مقدس ولكن وعي الإنسان بها قد يكون مشوشا. فقلنا: هل يمكن تنظيم هذه المعرفة بحيث تسمح للشاب المسلم أن يكون منتجا بدلا من أن يكون معيقا للإنتاجية والتقدم؟
والحزمة الأخيرة التي اشتغلنا عليها هي حزمة «تدبير الواقع» (الحكمة الإدارية)، ما الذي يحتاجه الشاب من المعارف الإدارية الأساسية للمهارات حتى يوظف كل هذه المعارف لخدمة مشروع النهضة. وقلنا: نوفر هذه المادة للجمهور بحيث من أراد أن يتزود بأدوات القادة يأخذها مرتبة وبعد ذلك يبدع في الحياة كما شاء.
ففكرتنا هي فكرة المساهمة في مشروع النهضة الذي طُرح من بدايات هذا العصر ونحن أطلقنا مرحلة نسميها «مرحلة اليقظة» باعتبار أن مرحلة الصحوة كانت عملية الحماس فيها عالية وقضية الرشد فيها منخفضة. ونريد أن تستمر الحماسة لكن نزيد درجة الرشد ليكون عندنا «أولي الأيدي والأبصار» –كما يقول القرآن الكريم– فما نحتاجه نحن ونشتغل عليه هو قضية أولي الأبصار.
قلتم إن مكتبة الشاب المسلم تقتصر على العقيدة والعبادات والأخلاق وإن بعض الدعاة يتقن فن صناعة الدين ولا يتقن صناعة الدنيا.. ماذا تقصدون بذلك؟
أخشى ما أخشاه أن يكون عندنا قصور في الجانبين، لأننا نحتاج إلى معادلة يوفر فيها المسلم المعرفة في الدنيا من سياسة واقتصاد وحرب.. بحيث –على الأقل- يقرأ الصحيفة أو يسمع الراديو أو التلفزيون وهو مدرك ما الذي يحدث حوله. ونحتاج أن ننظم له المعرفة الدينية، لأن المعرفة الدينية المرتبكة أخطر من عدم المعرفة الدينية. فإذا كان شاب من الشباب يعلم عن العقيدة وينزلها منزلة الشريعة فإن ذلك قد يؤدي إلى الثوران. والسبب في ذلك أن الشريعة جاءت منظمة ومرتبة والنصوص جاءت لتخدم مساحات وأوضاعا إذا أخذها الإنسان ووضعها في غير موضعها فأضرارها أكثر من النفع الذي قد يعود منها ومعظم ما نشهده من إشكالات في ساحة المسلمين ناتج عن هذه الاختلالات التكوينية المعرفية الأساسية في المعرفة الدينية، فالمعرفة الدينية رغم كثافتها فإنها لا تأتي إلى الفرد المسلم بشكل منظم، ناهيك عن أن معرفة الواقع الذي هو مكان فعل هذه النصوص الدينية التكليفية معدومة. يتخرج طالب الشريعة لم يدرس لا علم اجتماع ولا سياسة ولا اقتصاد وهذه هي مجالات تطبيق النصوص. فعندما يفتي، عندما يتحدث، يتحدث إما عن القرن الخامس وإما عن القرن الرابع الهجري وعن الصحابة رضوان الله عليهم ويحاول استدعاء هذه الفترة إلى واقع مغاير تماما تغيرت كل معادلاته وظروفه وأحواله، فهذه هي المشكلة التي نعانيها وأعتقد أنها تحتاج إلى علاج ولابد أن يسهم الكثيرون في حل هذه المشكلات.
هل إنزال الشريعة منزلة العقيدة ناتج عن خلل في الخطاب الديني والجانب التربوي؟
لا شك، فقد حدث ارتباك كبير جدا ناتج بالأساس عن اصطدام مع الواقع، فلو نظرنا إلى أطروحات الفترة من الستينيات والسبعينيات إلى الثمانينيات لرأينا حجم الخطاب المتعلق بالعقيدة ومدى كثافته، والعقيدة طبيعتها تقوم على المفاصلة، بمعنى أن الإنسان إما مسلما وإما كافرا لا يحتمل الوسط، بينما فلسفة الشريعة وروحها تقومان على التعايش. مثلا: القرآن يتكلم عن النصارى ويقول: «وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا».. لو أخذ هذه الآية شاب وأراد أن ينتقم لله من دون أن يدرك روح الشريعة ربما ارتكب من المآثم ما يعجز العقل عن تصوره لأنه يريد أن ينتصف لله ممن قال فيه هذه المقولة العظيمة. بينما لو ذهب لدرس الشريعة لسمع قول الله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» ولسمع عن العدل والإنصاف، لأن روح الشريعة مختلفة تماما عن روح العقيدة فالموضوعان مختلفان لأن مساحتهما مختلفة. وبالتالي لما حصل تكثيف، خاصة من قِبَل سيد قطب رحمة الله عليه، فقد وصل بالموضوع إلى ذروته حين اعتبر أن المجتمعات الإسلامية عادت للجاهلية. بخلاف ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم «خير وفيه دخن» بل اعتبر أن الأمر دخن وليس فيه خير.
هذا المعنى الذي ترسب في عقول الشباب جعل قضية المفاصلة مع أخيه في الإسلام ومع الحاكم ومع المجتمعات الأخرى هي المفاصلة ذاتها التي تفرضها العقيدة وليست ذات التفاضل الذي تفرضه الشريعة. هذه الإشكالية ليست بسيطة وما زالت موجودة وما زالت تغذى بنفس الطريقة.
قلت عن مقولة عبدالله النفيسي عن حركة الإخوان المسلمين إنها تحولت إلى إسفنجة تمتص طاقات الشباب من وفي السياق نفسه دائما تدعون إلى ضرورة المراجعات الفكرية للحركات. ما مقصودكم بذلك؟
على العموم لا نريد أن نظلم القوم فهم قد قدموا تضحيات كبيرة في سبيل خدمة الدين. وما أدعو إليه حقيقة هو مراجعة المسيرة ولا أقصد بها الأشكال والنظم أو الممارسات، فهذه أمرها هين وإنما أقصد الأفكار المنشئة لتلك النظم والممارسات، فهي التي تحتاج إلى مراجعات. فالأفكار التي طرحها حسن البنا وسيد قطب والأفكار التي تتداولها الحالة الإسلامية عبر مسارها الزمني والتي أنشأت الحالة الاجتماعية الموجودة حاليا قطعا تحتاج إلى مراجعات. إذا كنا نقول إن الحالة العربية والإسلامية مع المد القومي والمد الوطني والمد الإسلامي لم تتحسن أحوالها فهم الثلاثة يحتاجون إلى مراجعة الأسس الفكرية التي أنشأت الأحوال. فكلهم مكنوا من نظام الحكم، كلهم مكنوا من الممارسات الاجتماعية، كلهم توسعوا قاعديا، لكن أحوال المجتمع المسلم لم تتقدم. وإذا كنا سنتتبع المذهب القرآني فالقرآن يقول: «أنى هذا قل هو من عند أنفسكم».
التفسير الديني البسيط يقول: إننا نحتاج لمزيد من التقوى والورع والعبادات.. والحقيقة الكبرى أن المراجعات لا تشمل الحالة الإيمانية الروحية فقط بل تشمل أيضا الحالة العقلية. فمثلا لو نظرنا إلى الخوارج وهم من الفرق الإسلامية الكبيرة وتوزعت منها فرق ضخمة جدا وبدأت مبكرا في عهد سيدنا علي كرم الله وجهه نجد أن مسألة الإيمان لم تكن هي المشكلة، فهؤلاء كانوا هم قراء القرآن وكانوا هم العباد في جيش علي، لكن جاءت لأن هنالك اختلالات فكرية أدت إلى ظهور هذه الحالة التي فككت المجتمع العربي وأرهقت الدولة العربية والإسلامية في عصرها الأول. فمشكلة المسلم المعاصر أنه حتى لو أدرك أن الواقع صعب وأنه قد حقق إخفاقات فهو لا يعيد القضية إلى مراجعات شاملة تشمل الفكر والروح، إنما ينتهي إلى أننا نحتاج لتسبيح أكثر وذهاب إلى العمرة والحج أكثر لتعزيز الإيمانيات.
معظم التيارات والحركات يقولون إنهم يقومون بمراجعات فكرية.. فما تعليقكم على ذلك؟
والله إلى الآن لم أقرأ مراجعات حقيقية. إلا إذا استثنينا مراجعات الجهاديين في مصر وهي مراجعات جلها فقهية. ليست متعلقة بالأفكار التأسيسية. فكل ما قيل عن مراجعات لا يمكن أن يسمى مراجعات، لأنه عندما تحدث مراجعات حقيقية تصبح أشبه بمحاكمات لأناس ما زالوا يعيشون وما زالوا يقودون الحركات. فيتم تجاوز كل هذه القضايا والتركيز على عموميات بسيطة وتنتهي القضية أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان ولذلك عملية المراجعات حتى تكون حقيقية تحتاج أن تكون المعلومات من الداخل والتقويمات من الخارج. نحتاج إلى شخص غير متأثر عاطفيا بهذه الأجواء حتى يستطيع أن يقول إن هذا العمل علمي أو غير علمي. يستطيع أن يغوص في المناطق الصعبة التي يتم السكوت عنها. ليحرر مواضع نشوء الأمراض. وكل ما يتم الحديث عنه الآن هو استراتيجيات مرحلة معينة وهو ما أسميه «الأفكار الثانوية» ولم يتم ولا مرة التعرض للأفكار المنشئة بعمق.
تقولون إن الإسلام لا يريد أن يطغى ويرد البعض على ذلك بالقول إن الإسلام يريد أن تكون كلمة الله هي العليا.. ما تفسيركم لذلك؟
يوجد فرق كبير بين حقك في طرح أفكارك وتسويقها وبين فرضها بالقوة. فمن حق البوذيين أن يتقدموا بفكرتهم إلى العالم وأن يبشروا بها. وأن يقدموا النموذج الحي على صلاحها. ومن حق المسحيين ذلك أيضا لكن ليس من حق أحد أن يجبر الآخرين أن يأخذوا بملته باعتبارها الحل الأخير الذي سيفرضه على العالم بمعنى آخر. والإسلام لما أمر بالقتال لم يأمر به إلا في حالتين:
الحالة الأولى: أن يتم اعتداء على المسلمين وهذه النص فيها واضح ولا يحتاج إلى كثير كلام وهي ما يُعرف بجهاد الدفع.
الحالة الثانية: وهي ما يُعرف بجهاد الطلب. والآية التي يتم الارتكاز عليها فيه هي: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله». فما معنى الفتنة الواردة في هذه الآية؟ معنى الفتنة هنا أن يمنع أحد الناس من الاستماع إلى الإسلام أو الدخول فيه. وعندها يحق للمسلمين أن يقاتلوهم. واليوم نحن في عصر لا يوجد فيه من يمنعك من أن توصل رسالتك للآخرين. ولا يوجد أحد يمنع الآخرين من الدخول في الدين فبقيت القضية متعلقة بنقطتين: من يحسن عرض فكرته ومن يقدم النموذج الحي على صلاحية ونجاعة فكرته. فالمسلمون إذا نجحوا في أن يوصلوا فكرتهم بأبهى صورة وأن يقولوا للبشرية هذا الفكر ينتج عنه هذا المجتمع تكون قد قامت لنا الشهادة على العالمين وأصبحت علوية الدين واقعا وليست ادعاء.
لكم مقولة تقول: هل نحتاج إلى أن نفقد 50 مليونا من البشر حتى نقتنع بضرورة التعايش؟ ما المقصود بذلك؟
اليوم أنت إذا اتجهت إلى الشيعة ستجد من يقول لك: السنة فعلوا بنا كذا وكذا وكتبهم تقول كذا وكذا وأيضا إذا اتجهت للسنة ستجد من يقول لك ذلك كأنك تنظر في مرآة متعاكسة والسؤال: ما الذي ستؤول إليه هذه الحال؟ هل ستؤول إلى وحدة المجتمعات وقوتها أم ستبيد الطرفين وتسلمهما لقمة سائغة للآخرين؟ العقل يقول –وهذا لا يحتاج إلى ذكاء كبير- إن مآل هذا السلوك إلى احتراب ومعظم النار من مستصغر الشرر. والشرر اليوم ليس قليلا، فهنالك من ينفخ فيه غازا لا ينفخ فيه هواءً عادياً وإنما ينفخ غازات خفيفة الوزن تؤدي إلى اشتعالات ضخمة جدا. الغربيون جربوا الحروب القومية والدينية وفقدوا عشرات الملايين من البشر واقتنعوا بضرورة الجلوس إلى بعضهم والتحاور والتعايش. أفلا نتعظ بهم أم لا بد أن نخسر نحن كذلك لنتعظ؟ المجتمعات إما أن تتعظ بغيرها وإما أن تتعظ بنفسها والعاقل من يتعظ بغيره.
تركزون على موضوع التاريخ..؟
نحن لسنا أول أمة تكون عظيمة وتسوء أحوالها، والقرآن الكريم يقول: «لقد كان في قصصهم عبرة» وهذه هي العبرة التي نبحث عنها، وإذا استطعنا أن ننظم في عقل الشاب المسلم التاريخ بشكل يستطيع معه إمكانية الفعل في وسط الظلمات سيكون الأمر مختلفا جدا. لأننا إذا أردنا أن نعرف هذا الواقع نحتاج أن نعرف كيف نشأ وإذا أردنا أن نعرف كيف نتحرك في المستقبل يجب أن نعرف كيف خرجت الأمم من ورطتها وإذا أردنا أن نخرج الناس من الإحباط نحتاج أن نضرب لهم شواهد عملية من حياة الأمم الأخرى كيف خرجت من دوامات الإذلال ودوامات الفقر والتخلف.
أرجعتم أسباب التخلف إلى عوالم ثلاث... ما المقصود بذلك؟
هي فكرة طرحها مالك بن نبي عليه رحمة الله وهي فكرة: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء. ورؤية مالك بن نبي أن الأمم تُبتلى في أفكارها ابتداءً فتنتشر فيها الأفكار الميتة والمميتة وتقتل فيها الأفكار الحية وحينها تكون قد أجدبت أرضها وبدأت في التخلف. ففكرة تصحيح عالم الأفكار متعلقة بهذه القضية. إذا صلح عالم الأفكار فعالم العلاقات الذي سننشئه هو ابن عالم الأفكار وعالم الأشياء هو ابن عالم الأفكار وعالم العلاقات وبالتالي تصبح عندنا مجتمعات متقدمة.
البعض يقول: كفانا تنظيرا ومللنا التنظير نريد شيئا ملموسا.. بماذا تردون عليهم؟
القرآن ابتداءً كلام نظري والعلم قبل أن يتحول إلى تطبيقات هو كلام نظري والإمام البخاري رضوان الله عليه قال إن العلم قبل القول والعمل فالنظر هو مطلب قرآني بحت، فنحن في مجتمعات تحتاج إلى الاثنين معا. تحتاج إلى فكر وتحتاج إلى عمل لكنها لو عملت من دون فكر قد تسرع من الوصول للهاوية وأفضل لها أن تكون بطيئة في الفعل إذا لم تدرك الطريق أما إذا أدركت الطريق فتحتاج إلى أن تشمر للسير فيها لأنها إذا سارت في الطريق الخاطئة فهي كلما شمرت ابتعدت عن المسار الصحيح. فإذا نظرنا إلى دولة كانت من الممكن أن تكون من أفقر الدول مثل الصين، دولة تعدادها السكاني مليار و250 مليون، وهي زراعية نسبة التعليم فيها لا تتجاوز %20 في نهاية الأربعينيات وتعيش صراعات وتحتلها خمس دول.. كل هذه الظروف العظام لم يكن الخروج منها ناتجا عن العمل فقط بل كان ناتجا عن النظرية التي ولدت العمل.
هل هناك آخرون بدؤوا يتقبلون هذا الفكر؟
طبعا، أنا أعتقد وحسب ما يصلني أن هنالك تحولات كبيرة جدا حاصلة. لأن كثيرا من الأفكار السابقة وصلت إلى حائط مسدود والبحث جارٍ بشكل كبير جدا عن البدائل. والآن نحن أنزلنا مجموعة كتب من ثلاث سنوات طبعت حتى الآن الطبعة الرابعة وهذا يدل على حجم التداول الذي يتم لهذه الأفكار.
هل عندكم تصور ومنظومة بالنسبة للعالم العربي؟
العالم العربي عنده نماذج حية والنهضة طريقها واضحة لكنها تحتاج إلى إرادة ووعي في الكتل البشرية صانعة القرار. فإذا نظرنا مثلا للتجربة الماليزية. فلم يكن لماليزيا أن تتقدم لو لم تجد معادلة تسمح للبوذي والهندوسي والمسلم أن يعملوا لنجاح الدولة التي يعيشون فيها. ولو لم يجدوا هذه المعادلة لقام احتراب وأصبحت ماليزيا مثل أية دولة متخلفة أخرى لو لم يجدوا معادلة.
فنحن إذا ما نحتاجه ليس الطريق فقط فالطريق معروفة وإنما نحتاج إرادة وتحضير مستلزمات. وهذه المستلزمات تحتاجها عقول النخب قبل عموم الناس، لأن المجتمعات عادة لا تقودها شرائح ضخمة بل تقودها شرائح تتكون من 2 إلى %5. وهذه الشرائح في مجتمعاتنا تحتاج إلى تأهيل.

التعليقات
أضف تعليقاً