الفتن.. من عصمة اللسان إلى عصمة التفكير
كلما برزت في الساحة الإسلامية والعربية سجالات طائفية أسرع العديد من النخبة والعامة إلى استدعاء العبارات التاريخية الشهيرة التي علق بها الأقدمون عند سؤالهم على الظواهر الطائفية التي وقعت في صدر التاريخ الإسلامي، ومن هذه العبارات: "تلك فتنة قد عصم الله منها سيوفنا، فلنعصم منها ألسنتنا".."تلك دماء قد طَهّر الله منها يَدِي، فلا أخْضِبُ بها لساني".. "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وهي عبارات تنضح بالعديد من المعاني الدلالية الهامة التي ربما لا يدركها من يتفوه بها الآن.
أولها تتمثل في كونها اعترافا ضمنيا أن الفتن الطائفية والمذهبية كامنة في المفاصل التاريخية والفكرية للأمة والتي تكونت عبر العديد من الأحداث والملاحم الكبرى التي وقعت في فترات تاريخية متفاوتة، ومن أهم هذه الأحداث ما وقع بين الصحابة الكرام من معارك مثل صفين وكربلاء والحرة، والتي شكلت البدايات التاريخية للمشكلة الطائفية في التاريخ الإسلامي.
وهذا يرد على المؤرخين الذين بالغوا في نفي الأحداث التي وقعت بين جيل الصحابة حتى كادوا ينفون وقوع هذه المعارك أصلا، وإرجاع كل ما وقع من معارك بين الصحابة الكرام إلى أطراف وشخصيات خارجية، على الرغم من وجود جدل تاريخي حول وجودها من عدمه في تلك الفترات، فمثلا شخصية عبد الله بن سبأ ما زالت حتى الآن محط نظر واختلاف بين المؤرخين بين من ينفي وجود هذه الشخصية أصلا وبين من يؤكد وجودها ويحملها مسئولية قتال الصحابة لبعضهم البعض!
والشيء العجيب في هذا الرأي أنه يجعل هذا الرجل بارع القدرات والملكات بحيث ينجح في دفع حاملي رسالة الإسلام الأوائل وهم الصحابة نحو القتال والمعارك وكأنهم دمى في يده!.
المعنى الآخر في هذه العبارات أنها اعتراف بقابلية الفتن للتفجر والاشتعال عند توفر الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية المناسبة، وبالتالي علاجها بإستراتيجية المسكنات غير كافٍ في القضاء عليها.
الشيب التاريخي
ربما مثلت عبارة "تلك فتنة قد عصم الله منها سيوفنا، فلنعصم منها ألسنتنا" حلا مناسبا للمشاكل الطائفية في تلك الفترة التاريخية التي ولدت فيها، وربما كانت تعتبر تسوية إجرائية ناجحة في زمانها ووقتها لتسكين الجرح الطائفي في الأمة.
ولكن في عالمنا المعاصر اليوم هل يمثل استدعاء هذه العبارات -التراث- حلا مناسبا لقضايانا المعاصرة الخاصة بإدارة ملف التنوع الاجتماعي الداخلي؟.
بداية، للإجابة على هذا السؤال لابد أن نفرق بين استخدام هذا النوع من العبارات كمبدأ للتعاطي مع المشاكل الطائفية، وبين كونها منهجا يخضع لظروف المكان والزمان، فالمبادئ تتسم بالخلود والبقاء، والمناهج تتصف بالتجديد والتغير، فميدان النجاح في عالم المبادئ يميل نحو الثبات عليها والتضحية من أجلها، فكلما زادت قدرة أمة من الأمم في الثبات على مبادئها كلما نالت تقدير واحترام الآخرين، بينما النجاح في عالم المناهج يخضع لمدى قدرتها على توفير الحلول للأزمات والاحتقانات المعاصرة في جسد أي مجتمع من المجتمعات البشرية.
ومن هنا يأتي الخلل عندما يعتبر البعض أن هذا النوع من استدعاء التاريخ والتراث والذي يتجسد في شكل عبارة معروفة يقع في خانة المبادئ التي ينبغي عدم تجاوزها والقفز عليها عند تناول الأحداث الفتنوية، فإذا بادر البعض بطرح بعض الإضاءات المعرفية الجديدة على الخلاف السياسي الذي وقع بين الصحابة وما نتج عنه من مدارس سياسية وفقهية قديمة ومعاصرة سارع البعض إلى إطلاق طلقات تحذيرية -العبارات التاريخية- لمنعه من هذا الفعل الذي في نظرهم يتجاوز مبادئ الأمة في التعامل مع القضايا الطائفية، وبالتالي نتج عن هذا أن الساحة الثقافية الإسلامية -خاصة السنية- تكاد تخلو من الكتابات الرصينة التي توفر لنا قراءة سيولوجية جديدة للأحداث الفتنوية القديمة والمعاصرة.
ونتج أن هذا الخلط في الثقافة العربية بين ما هو مبدأ وما هو منهج في التعاطي مع الأزمات الاجتماعية المختلفة أن نما شعور لدى البعض أننا نمتلك من البرامج والمبادئ ما يكفي للتعامل مع الأحداث المعاصرة، فكلما طرقت قضية جديدة مسامعنا هرع البعض إلى استدعاء التاريخ للإجابة عن أسئلة المستقبل متغافلين عن طبيعة الزمان والمكان الذي ولدت فيه هذه الحلول والإجابات التاريخية، واختلاف المكان والزمان الذي يريدون أن يسقطوها عليه.
ولذلك عبر الفيلسوف الكبير نتشه عن الذين يقعون أسرى الحلول التاريخية والتراثية ويتغافلون عن طبيعة الواقع المعاصر الذي يعيشون فيه بأنهم: "أناس يولدون وشعرهم أبيض".
فقضية حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم في ظل الدول القومية المعاصرة القائمة على أساس الجغرافيا تختلف جوهريا عن حقوق غير المسلمين في ظل إمبراطورية إسلامية قائمة على أساس الدينية، فاستدعاء حلول من الزمن الإمبراطوري لعلاج مشكلة في دولة قومية فيه مجانبة للصواب بشكل كبير.
والمخرج النهائي لهذا الخلط المعرفي الجسيم تمثل في أن الساحة الفكرية الإسلامية والعربية أصبحت من أكثر المناطق التي تفتقر إلى أدوات وبرامج فعالة تدفع إلى حسن إدارة ملف التنوع الاجتماعي الداخلي، وتجعل منه نقاط تميز وقوة للمجتمع، عكس الكثير من الأمم المعاصرة التي تمتلك العديد من المناهج الإجرائية التي تعالج بها الأزمات الطائفية والعرقية واللغوية والقومية الموجودة عندها بما يضمن لها بشكل كبير عدم بروز أي حس عنصري وإقصائي يؤثر على وحدة النسيج الاجتماعي لها، وعندنا في هذا المسار تجربة جمهورية جنوب إفريقيا في التغلب على ظاهرة الفصل العنصري التي عاشت فيها عقودا من الزمن، وتجربة أيرلندا الشمالية في تطبيق برنامجها التربوي (نحو تجاوز الطائفية) الذي يسعى لإخراج أجيال تؤمن بفكر التعايش والتعاون وقبول الآخر المخالف في الدين والعرق واللون.
معالجة الفكر الفتنوي
الأجيال الصاعدة من النخب وصناع الرأي العام والساسة والعلماء والمراجع والمراكز البحثية في العالم الإسلامي ينبغي أن تخطو خطوة أخرى أقوى وأمضى في اتجاه معالجة الفكر الفتنوي من جذوره عبر عدة وسائل منها:
-ضرورة التفرقة الواضحة بين ما هو مبدأ وما هو منهج عند تعاملهم مع ملف التنوع العرقي والمذهبي للأمة، وبمعنى آخر إدراك المسافة الفكرية بين ما هو نص مقدس واجب الاتباع وبين ما هو ممارسة تاريخية -تمثل فقط تجربة بشرية يمكن الاستفادة منها بحكم أنها خضعت للعديد من العوامل التي أثرت فيها مثل المكان والزمان وطبيعة النظام السياسي الاجتماعي السائد في تلك الفترة- فليست كل ممارسة تاريخية تعد شرعا واجب الاتباع حتى لو وقعت من كبار الخلفاء والعلماء.
- إبداع منهاج وبرامج تربوية وسياسية واجتماعية... إلخ، لا تتصادم مع مبادئ الأمة الكبرى، بهدف حرمان الفتن الطائفية من التمدد والانتشار في الجسد الثقافي والفكري للأمة، وبما يتناسب وطبيعة كل عصر ومصر ومستفيدة من التجربة التاريخية الإسلامية التي أبدعت في زمانها ووقتها حلولا جعلتها في زمانها منارة للتسامح والتعايش وسط الإمبراطوريات القائمة ساعتها وتفوقت على غيرها من الأمم، وجسدت في دنيا الناس قيم التسامح والتعايش والتعاون حتى إن العديد من الباحثين يعتبر أن معاني التسامح وقبول الآخر انتقلت إلى الجسد الأوروبي الذي أنهكته الحروب الطائفية عبر واحة التسامح الإسلامية الوارفة الظلال في الأندلس.

أحدث التعليقات
منذ 11 دقيقة 45 ثانية
منذ 10 ساعات 47 دقيقة
منذ 10 ساعات 47 دقيقة
منذ 4 أيام 12 ساعة
منذ 4 أيام 14 ساعة
منذ أسبوع واحد 5 أيام
منذ أسبوع واحد 5 أيام
منذ أسبوع واحد 6 أيام
منذ أسبوعين يوم واحد
منذ أسبوعين 4 أيام