سأحاول الغوص قليلا في معنى هداية القرآن..
حين يتحدث القرآن الكريم عن عالم الغيب (وكذلك السنة الصحيحة) فإنه يريد الاستقصاء، أي أنه بين كل شيء نحتاج إلى معرفته ولا يجوز لنا الزيادة على ذلك، فالحديث عن الملائكة واليوم الآخر وغيرها أمور مقتصرة على ما ورد في الوحي ولا دخل للتجربة البشرية فيها، لكن حين يتحدث القرآن الكريم عن عالم الشهادة فماذا يريد أن يقول لنا؟
في القرآن الكريم إشارات علمية واضحة في علم الفلك والطب والاجتماع والإدارة وغيرها.
حين يذكر القرآن الكريم شيئا من هذه العلوم، فهل هو يذكر كل العلم أم يذكر أصوله أم يذكر بعضه أم يذكر أهم قضاياه؟
في الحقيقة إن هذا السؤال من أخطر و أصعب الأسئلة، ولا تكاد تجد له جوابا في الفكر الإسلامي المعاصر؟
وقد حاولت أن أضع معالم للجواب عسى أن يتبين شيء ما..
أولا: إن المساحة التي شغلتها العلوم في القرآن الكريم مختلفة، فالعلوم التطبيقية (الفلك والأحياء وغيرها…) هي الأقل، أما العلوم الإنسانية ( الاجتماع ، الانسان، النفس..) فهي الأكثر.
فنستطيع أن نرتبها كالتالي: جاء القرآن الكريم ليبين لنا ما نحتاجه من عالم الغيب وليجيب عن الأسئلة الكبرى فكانت لها المساحة والاهتمام الأكبر، ثم تحدث القرآن بمساحة أقل عن العلوم الإنسانية ثم بمساحة أقل عن العلوم التطبيقية.
لكن يبقى السؤال السابق: حين يذكر القرآن الكريم فرعا من فروع العلم أو أنموذجا فهل يريد:
أن يستقصي العلم؟ أو أن يذكر أصوله؟ أو أن يذكر مجرد نماذج؟
أعتقد يقينا أنه لم يرد استقصاء العلم، لأنه لو كان كذلك لكان النص القرآني يغني عن كل الاختراعات والاكتشافات، ويكفينا أن نقرأ القرآن لنكتشف (الراديو) مثلا.
وأعتقد يقينا كذلك أنه لم يرد ذكر الأصول، لأنه لو كان كذلك للزم أن نجد أصلا لكل الاختراعات في القرآن الكريم، وأي شيء لا أصل له لا يعد إسلاميا.
لذلك أستطيع أن أقول إنه يذكر نماذج، لكن لماذا؟
مع اعترافي أن المسألة تحتاج لبحث أكثر لكني سأقول باختصار: لبيان المقاصد والأخلاقيات.
مثلا في السياسة ذكر القرآن مقاصد علم السياسة (العدل مثلا) وذكر الأخلاقيات (الصدق مثلا) لكنه لم يتعرض للآليات وتركها للتجربة الإنسانية.
مثال أخير: قصة يوسف عليه السلام حين أوّل رؤيا الملك بشأن السبع سنين والسبع الأخر العجاف والسنة الأخيرة، تجلت هنا حكمة وعبقرية إدارية ومالية وزراعية ليوسف عليه السلام.
لماذا يذكر القرآن هذا الأنموذج؟ لبيان مقاصد هذه العلوم وأخلاقياتها، ولم يقصد أن يجعل من خطة يوسف أصلا من أصول الإدارة ولا أن يستقصي فروع الإدارة في فعله.


التعليقات
أضف تعليقاً