الرسالة السادسة (الركن الأول للنص القرآني)
القرآن الكريم هو نص لغوين وإذا حاولنا تحليل أي نص من النصوص فإنا سنجد أنه يرتكز على ثلاثة أركان:
الأول: القائل.
الثاني: الوعاء الحاوي للنص.
الثالث: القارئ للنص.
وسأتحدث عن هذه الأركان الثلاثة باختصار في أكثر من رسالة.
الركن الأول: القائل.
حين نتعرض لنص شعري -للمتنبي مثلا- ونحاول قراءته وفهمه فحينها سنستعرض المتنبي ونفسيته وفلسفته ورؤيته للحياة، وحتى نفهم من هو المتنبي سننظر في عصره من الناحية السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وأثر كل ذلك عليه، كل هذا سيساعدنا في فهم كلامه، لكن في حالة النص القرآني كيف سيكون الأمر؟
المتكلم هو الله تعالى، وهو الحي القيوم الذي له صفات الكمال وليس كمثله شيء، وهذا الشعور الرباني لابد أن يكون حاضرا أثناء قراءتنا للقرآن (قراءة الفهم)، فالله هو الذي يعلم الغيب ويعلم السر وأخفى ومن أصدق من الله حديثا، بل إن الله تعالى يجعل من ذاته الحقيقة الكبرى التي تتجلى من خلال القرآن الكريم، فلا يمكنني بأي حال من الأحوال أن أنسى المتكلم (الله تعالى) وأنا أقرأ القرآن.
وحين يخاطب القرآن الناس يخاطبهم جميعهم العرب وغير العرب، المعاصرين للنزول والذين من بعدهم إلى يوم الدين.
حين يكون المتكلم بشرا (المتنبي مثلا) فخطابه يصلح لزمانه وربما لأجيال بعده، ولكنه يتقادم بتقدم الأجيال حتى يصبح تراثا، يقال إن أكثر النصوص البشرية قدرة على اختراق الزمان لا تتجاوز الخمسمئة سنة! ذلك أن الإنسان خاضع لمعايير الزمان والمكان، لكن حين يكون المتكلم هو الخالق فكلامه متعال على الزمان والمكان
لابد أن نعي هذا الفرق.
لكننا نلاحظ أيضا أن القرآن الكريم نزل في 23 سنة، أي أنه كان يراعي الزمان والمكان، وتحدثت بعض الآيات وبعض السور عن حوادث محددة، فسورة آل عمران تحدثت عن غزوة أحد وسورة الأنفال تحدثت عن غزوة بدر... ومثلها الأحزاب والنور والتوبة... وهكذا..
هنا نستطيع أن نفرق بين مرحلتين.
المرحلة الأولى: النبوة، وهي الـ23 سنة التي نزل فيها الوحي، وخصوصية هذه المرحلة في وجود الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عدم اكتمال الوحي حتى نزول آخر آية بل حتى وفاة النبي عليه الصلاة والسلام
المرحلة الثانية: ما بعد النبوة، وهي من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، وميزتها أن القرآن الكريم أصبح كاملا ويقرأ بترتيب محدد (من الفاتحة إلى الناس) ويتغير الناس في حضاراتهم وثقافاتهم ويبقى القرآن الكريم كماهو صالح لكل الأجيال.
حين توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وجاء الجيل التالي (التابعون) فكروا في هذه المسألة، كيف ننتقل من مرحلة النبوة إلى ما بعد النبوة؟ أو بعبارة أخرى: إذا كان القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان، فما هو التكييف لذلك؟
جاء الإمام الشافعي فكتب (الرسالة) وابتكر (القياس) وغيرها من طرق الاستدلال وهي محاولة فذة في تكييف صلاحية القرآن الكريم، وجاء الإمام مالك بفكرة عمل أهل المدينة التي تفعل في جوهرها المقاصد الشرعية واستمر العلم في التطور... ولابد أن يستمر السؤال ويبقى في الذهن: كيف ننتقل من مرحلة النبوة إلى ما بعد النبوة؟
أو كيف نجعل القرآن الكريم صالحا لكل زمان ومكان؟
أو في زماننا على الأقل؟

التعليقات
أضف تعليقاً