الرسالة الثامنة (قاريء النص)

ما زلت أتحدث عن أركان النص الثلاثة (القائل والوعاء الحامل والقارئ)، وفي هذه الرسالة سأتم الحديث عن الركن الثالث: القارئ للنص.

 

يعتقد كثير من الناس أن المشكلة في الفهم الخاطئ للقرآن تكمن في عدم التجرد، ولو أننا تجردنا من كل المؤثرات ونظرنا في القرآن الكريم نظرة حيادية لاستطعنا أن نفهم مراد الله تعالى، ربما تكون الذاتية جزء من المشكلة لكنها ليست المشكلة كلها. السؤال هنا: هل يستطيع الإنسان أن يتجرد من كل المؤثرات؟ لقد ولد كل منا في بيئة مختلفة عن الآخر، وعايش أجواء مختلفة، وقرأ وتعلم وجرب حتى تشكل وصار له عقله ورؤيته، هل من السهل أن ينفك عن كل هذا؟
أعتقد أن من خصائص الإنسان أنه مؤثر ومتأثر بكل ما يدور حوله، والمرحلة الوحيدة التي لا يكون الإنسان فيها متأثرا هي مرحلة الجنين، لكنه منذ أن يرى الحياة فإن الحياة تنقش عليه بصماتها، لذلك لا يمكننا الحديث عن الإنسان الخالي من الانطباعات أو الإنسان الجنيني، وإنما أنا أتحدث عن إنسان محدد وهو فلان بن فلان الذي عاش بطريقة معينة وتعرض لمؤثرات معينة وبالتالي تشكلت له رؤى محددة، وهذا التأثر بالواقع له إيجابيات متعددة، فنحن حين نقول إن القرآن الكريم متعالي على الزمان والمكان، فلابد حين نريد أن نجعله صالحا لكل زمان ومكان (زماننا مثلا) أن يقرأه إنسان متلبس بظروف الزمان والمكان... أليس كذلك.
أعتقد أن الإنسان لا بد أن يوغل في عصره حتى يتكون عقله وفق احتياجاته ثم يقرأ القرآن ليبحث عن الأجوبة، وبهذ التفاعل الثلاثي (القرآن، العقل، الواقع) سيصل القارئ إلى فهم أفضل.
ربما ندرك هنا مشكلة أخرى، حين يقرأ عالم جهبذ -في القرن الخامس مثلا- القرآن الكريم ويفسره، ونأتي نحن بدورنا فنجعل تفسيره هو البيان الصحيح للآيات عبر كل زمان، حين نفعل ذلك ألسنا نساوي بين كلام الله تعالى المتعالي على الزمان والمكان وبين كلام البشر؟ ألم يكن ذلك المفسر خاضعا لمؤثرات عصره؟
أليس من الأولى أن يفهم كل أهل عصر من العصور القرآن ليحققوا المعادلة الصحيحة من (النص، العقل، الواقع)؟ إن وعينا بهذه الأركان الثلاثة (القائل، الوعاء، القارئ) كفيل بأن يحسن قراءتنا للقرآن الكريم.

التعليقات

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.