الرسالة التاسعة (القصص القرآني)

عددت آيات القصص في القرآن الكريم فكانت قرابة الـ 2000 آية، أي أنني حين أتحدث عن القصص القرآني فإني أتحدث عن ثلث القرآن الكريم، وهذا يعني أني إذا أحسنت التعامل مع قصص القرآن فإنني أستطيع فهم ثلث القرآن وإذا أسأت -والعياذ بالله- فإنني أسيء فهم ثلث القرآن كذلك، ومن هنا تأتي أهمية بناء تصور صحيح تجاه القصص القرآني.
كان العرب يروون التاريخ وفق قصص وأحداث متتالية ومتتابعة ومتداخلة وربما متناقضة، أي أن الوعي التاريخي لم يكن قد تشكل بعد، فالتاريخ هو أحاديث المجالس وأنس الليالي، ثم جاء القرآن الكريم وقص القصص وقال (نحن نقص عليك أحسن القصص) والأحسنية هنا مطلقة، فقصص القرآن هي الأحسن في المصداقية وهي الأحسن في العرض الفني وهي الأحسن في العظة والعبرة... الخ.

 

فمن الجانب التاريخي نلاحظ أن القرآن جاء بمنهج قصصي وتاريخي جديد، فهو يؤرخ للأفكار قبل الأحداث، لذلك لم يذكر لنا القرآن أحداث الأمم متتالية من عهد آدم إلى يومنا، بل هو يقفز زمنيا ويترك فجوات تاريخية هائلة وهو صريح في ذلك (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك)، بل لاحظ التركيز الجغرافي على منطقة الشرق الأوسط فلسنا نعرف تاريخ الأنبياء في أوربا والأمريكيتين والشرق الأقصى وغيرها..
خذ مثلا قصة موسى عليه السلام، يذكر لنا القرآن في أكثر من موضع قصة موسى في جبل الطور حين كلمه الله، وهي زمنيا لا تتجاوز الدقائق المعدودة، لكن القرآن لا يحدثنا أبدا عن فترة طفولة موسى (من بعد أن رجع إلى أمه حتى بلغ أشده) ولا عن فترة مكوثه في مدين عند الرجل الصالح.
وإذا تحدثنا عن المنهج الفني، فمن المعلوم أن المتكلم يستطيع أن يهمل أشياء ويركز على أشياء أخرى من خلال كلامه، فحين بقول لنا القرآن (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) ثم لا يذكر اسمهما فهو يريد أن يصرف العقل عن الاسم ويدخر طاقته لأمر آخر.
وكذلك حين يجمع قصة يوسف كاملة في سورة واحد ولا يذكر شيئا منها في سور أخرى على عكس قصة موسى عليه السلام، وتأتي سورة الكهف فتقص علينا ثلاث قصص تنفرد بها ولا تذكر في موضع آخر.
لكن العرب لم يفقهوا هذا الأمر، ولو أنهم فقهوا المنهج القرآني في التاريخ لكان  علم التاريخ عندنا اليوم سابقا الزمان والمكان، لكنهم عادوا وكتبوا القصص القرآني وتاريخ الأمم وفق الروايات والأحداث المتتابعة، حتى جاء ابن خلدون في القرن السابع الهجري وكتب مقدمته وتحدث عن القوانين الاجتماعية والسنن الإلهية، فالتقط شيئا من روعة القرآن، لكن العقل العربي تعرض لانتكاسة أخرى بعده..
وللموضوع بقية

التعليقات

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.