الرسالة العاشرة (القصص القرآني 2)

تحدثت في الرسالة السابقة عن أحسنية القصص القرآني، فما الذي منع المسلمين من إدراك هذه الأحسنية والإخلال بها؟

 

ما رأيك لو جاء مفسر وحاول ملأ الفجوات التاريخية في القرآن الكريم، فحدثنا عن طفولة موسى وعن فترة مكوثه في مدين وعن تفاصيل حياة يأجوج ومأجوج وأشكالهم ..؟ ما الذي يصنعه هذا المفسر بالتحديد؟
أقول بكل صراحة إنه تشويه للفهم وتغيير للمنهج القصصي في القرآن.
ويبدو أن هذا ما حدث.. كان بنو إسرائيل (اليهود والنصارى) في الجزيرة العربية أمة أمية تسيطر عليهم الخرافة والأسطورة وكانوا أشد جهلا من أهل الكتاب في الشام ومصر وأوربا، وكانوا يروون قصصا وخرافات عن أنبيائهم أخذوا أغلبها من المدراشيم (وهي شروح التوراة)، فكان بعض المسلمين يسألونهم عن هذه الفجوات التي يجدونها في القرآن (الأسماء، والأماكن والقصص الثانوية وتفاصيل الحياة... الخ)، فامتلأت الروايات بأقوالهم، ولأسباب كثيرة منها شغف العقل بمعرفة التفاصيل وعدم إدراك المنهج القرآني صار بعض الرواة يروي الإسرائيليات ويجعلها بجانب الآيات القرآنية، وفي عصر التدوين استطاع علماء الحديث بسبب التشدد في الرواية وميلهم إلى تقنين التصحيح والتضعيف  استطاعوا أن يقصوا الروايات الإسرائيلية عن كتبهم إلى حد كبير لكن كتب التفسير امتلأت بها.
يعتبر تفسير القرآن العظيم لابن كثير من أكثر التفاسير انتشارا خصوصا في السعودية ويعده الكثيرون من التفاسير المعتمدة خصوصا أن صاحبه إمام في الحديث فهو محقق ومدقق في الروايات، لقد عددت الروايات الإسرائيلية في تفسير ابن كثير وقارنتها بباقي الكتاب فبلغت الثلث، أي أن ثلث تفسير ابن كثير روايات إسرائيلية، فما بالك بالتفاسير التي يعد أصحابها من المتساهلين في رواية الإسرائيليات.
مشكلة الروايات الإسرائيلية أعقد مما يبدو بل إني أعتقد أن من أهم أسباب تشويه فهمنا للقرآن تلك الروايات
وها أنت ترى اليوم خطب الجمعة وبرامج الفضائيات تمتلئ بهذه الروايات مع أن الآية صريحة وواضحة في النهي عن التلقي عنهم (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا)،كانت وما زالت قصة أصحاب الكهف من الملاحم الدينية عند أهل الكتاب، ولهم روايات كثيرة في عددهم ووصفهم وحياتهم، فجاء القرآن ليبين القصة الحقيقية بأسلوبه ومنهجه، ثم قال لنا إن أهل الكتاب سيأتوننا بروايات (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم...) فما العمل (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) أي لا تجادلهم ولا تفاخرهم بروايتك فليس هذا هو الغرض من قص القصة،  (ولا تستفت فيهم منهم أحدا) أي ولا تسألهم عن حال أصحاب الكهف.
أليس هذا نهيا صريحا عن رواية الإسرائيليات في تفسير القرآن الكريم!

التعليقات

أضف تعليقاً

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.