قراءة لمثلث القوة عند أوجلو وحمدان

صورة ياسر الغرباوي

شرح الدكتور جمال حمدان في كتابه(نحن و أبعادنا الأربعة) فلسفة توجه مصر نحو القبلة الأسيوية بشكل مفصل فقال ( فرغم أن مصر في إفريقيا موقعا، فقد كانت أبدا في آسيا وقعا،وهي في إفريقيا بالجغرافيا لكنها في آسيا بالتاريخ،وهي في إفريقيا طبيعيا لكنها بشريا في آسيا أكثر)- وأشار إلي أن العلاقات الخارجية المصرية القديمة كانت أسيوية أكثر منها إفريقية،واعتبر أن مصر هي أكثر إفريقيا أسيوية.

فالنيل في مصر لا يجري في منتصف صحراءها ولكنه يجنح بتحيز واضح نحو الشرق،والمسافة بين بورسعيد وغزة تبلغ 250 كم

في مقابل 800 كم بين الإسكندرية ومنتصف الجبل الأخضر في ليبيا  ويعني هذا أن أقرب جار لمصر إنما يقع في أسيا،فجغرافيا البر المصري جعلت لمصر علاقة حميمة مع غرب أسيا.

 الذاكرة التاريخية :

علي مدار الدورات التاريخية الكبرى في التاريخ المصري القديم والمعاصر كانت تدور حركة التجارة والعلاقات والهجرات بلا انقطاع بين غرب آسيا ووادي النيل ، خاصة بين مصر والجزيرة العربية في الشمال وبين اليمن والحبشة في الجنوب ، فمثلاً هجرة الحاميين القدماء من جنوب الجزيرة إلي القرن الأفريقي وحوض النيل حتى مصر شمالاً،بينما جاءت هجرة الساميين العرب مع الإسلام إلي مصر والسودان، وُيشير حمدان إلي انتقال جالية مصرية من الصعيد في مصر إلي مدنية الحجاز قبل الإسلام استقرارها وتوطنها بها ، وعلي مر التاريخ المصري جميع الموجات التي اكتسحت البلاد جاءت من آسيا عبر سيناء فيما عدا قليل منها جاء من الغرب مثل الفاطميين، وفي المقابل كل الحركات الخارجة من مصر وكل معاركها التاريخية كانت تتم علي أرض أسيوية وأخرها حرب العاشر من رمضان بينها وبين إسرائيل والتي وقع مجمل أحداثها من أجل سيناء وفيها

الحالة الدينية :

 وعلي مستوي الحالة الدينية يتجلى ارتباط مصر بآسيا منذ فجر التاريخ المصري، فالفراعنة كانوا يطلقون علي طريق قنا – القصير الذي يخترق وادي الحمامات في الصحراء الشرقية ويلعب دورا حيويا في توجيه مصر الأسيوي مصطلح (طريق الآلهة ) اعتقادا منهم بأنه طريق أجداهم الأوائل ومع بزوغ فجر الأديان السماوية الكبرى في أسيا تسارعت وتيرة الترابط الديني بين مصر وأسيا ويتضح ذلك من خلال قراءة جغرافيا الأديان التوحيدية ومحاور انتشارها وتمددها، يتضح مدي تأثر مصر وتأثرها  بالحالة الدينية في قارة أسيا، فمصر كانت قاعدة لموسي ومنطلقا ولعيسي ملجأ وملاذاً بينما كانت مع النبي محمد  صلي الله علية وسلم هدية ونسبا ً.

الجغرافية السياسية المصرية:

ومن خلال جناحي الجغرافيا والتاريخ وطبيعة المكون الديني المصري  يمكننا الولوج إلي فلسفة الجغرافية السياسية المصرية ومعرفة إستراتيجيتها ومحاورها المنفتحة علي المستقبل وتحديد المجال الجغرافي الذي يجب أن تشتغل فيه، متسلحين في ذلك بقانون الجغرافيا ودرس التاريخ ومسيرة الدين.

 وقد استكمل الدكتور جمال حمدان رؤية للبعد الأسيوي في الجغرافية السياسية المصرية في كتابه (إستراتيجية الاستعمار والتحرير) ووضع إحدى أهم الاستراتيجيات تعبيراً عن فلسفة التوجه الجغرافي والتاريخي المصري نحو أسيا، وطرح فكرة قيام تحالف جيواستراتيجي بين تركيا وإيران الأسيويتين ومصر الأفريقية أطلق عليه اسم مثلث القوة الإقليمي ( مصر – تركيا- إيران ) والذي يُمكن من خلاله صياغة توجه مصر الأسيوي في شكل إجرائي واضح ومدبب و هذا المثلث يُكسب التوجه المصري نحو أسيا لغة جيواستراتيجية واعدة،ويعتبر حمدان أن هذا المثلث سيكون من أهم مراكز القوة الطبيعية في العالم العربي والشرق الأوسط وسيكون له تجلياته الإيجابية علي الوضع الداخلي في كل من تركيا وإيران ومصر وسيغير موازين القوي في الصراع العربي الإسرائيلي

 المثلث الحساس:

وتتقاطع هذه الرؤية الاستشرافية لمثلث القوة عند  جمال حمدان مع رؤية الدكتور/ أحمد داود أوجلو – وزير الخارجية التركي في كتابة(العمق الاستراتيجي – موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية ) الذي صدر حديثا عن مركز الجزيرة للدراسات، حيث أكد في الفصل الثالث علي أهمية هذا المثلث الإقليمي (مصر – تركيا – إيران ) للسياسية التركية الخارجية المعاصرة وأنه يقع ضمن الأبعاد الجيواستراتيجية والجيو ثقافية للدولة التركية الحديثة التي يطمع هو من خلال تفعيلها أن تتحول تركيا من دولة طرفية إلي دولة مركز عالمية ،وقد  أطلق أوجلو عليه مصطلح المثلث الحساس لأمرين هما  :

الأول : عند دول المثلث الثلاث (مصر ، تركيا ،إيران )  تتقاطع الطرق المائية  للقارة الأفروأورأسياوية الأم  مع الطرق البحرية الرئيسة،ووفق تصنيف أوجلو لأهمية المضايق عالميا تُطل دول المثلث علي ثلاثة مضايق  حيوية من مجموع ثمانية مضايق تتحكم في  توازنات الإستراتيجيات العالمية عالمية وهي كتالي:

1-  قناة السويس في مصر التي تصل قارة آسيا بإفريقيا وتربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر

2-  مضيق هرمز في إيران الذي يصل الحزام الهندي الجنوبي للقارة الأسيوية وبين شبة الجزيرة العربية ، ويصل الخليج العربي الغني بالمواد الخام مع المحيط الهندي

3- مضيقا البوسفور والدردنيل في تركيا اللذان يربطان البحر الأسود مع البحر الأبيض المتوسط ويفصلان القارة الأوروبية عن الأسيوية

 الثاني : بروز العلاقات الدولية والإقليمية  القائمة علي النفط في العصر الحديث زادت من أهمية  هذا المثلث

 وقد استعراض أوجلو الأبعاد التاريخية لهذا المثلث منذ العهد الفرعوني والأشوري والحثيي وصولا إلي تاريخ الحقبة الناصرية في مصر والثورة الإيرانية في طهران .

.وهناك ملاحظات هامة لأوجلو حول الطبيعة السياسية لهذا المثلث الحساس منها :

1- قوي الهيمنة العالمية تنتهج إستراتيجية- الضلع الناقص – للحيلولة دون بناء المثلث، فالقوي الخارجية قبلت التعاون المصري- التركي علي حدي لكنها منزعجة من رفع مستوي التعاون الثلاثي بين الدول الثلاث في آن واحد

2 –أن نجاح عملية السلام في  الشرق الأوسط لا يمكن أن تحقق نجاحا معتبراً إلا من خلال توافق دول المثلث حول رؤية جامعة لعملية السلام ،ويعتبر قيام المثلث هو ضرورة إستراتيجية يمكن أن تتقاطع حولها مصالح القوي الخارجية مع مصالح دول المثلث من زاوية إقرار سلام في النزاع العربي / الإسرائيلي،ويدلل علي ذلك من خلال التاريخ السياسي للدول الثلاث في علاقاتها مع إسرائيل فعندما كانت مصر خارج المثلث في المرحلة الناصرية كانت تنتهج سياسيات تهدد الوجود الإسرائيلي حتى عقد السبعينيات ،وإيران كذلك بعد الثمانينيات )

3-  أهمية الدور التركي في تسريع بناء المثلث وخاصة من خلال تفكيك العقبات التي تحول دون الإسراع  في بناء الضلع المصري – الإيراني لأنه يعتبر أن الدور التركي هو الدور المركزي الذي يحافظ علي توازن المثلث بحكم علاقاته المتزنة مع الضلع المصري والضلع الإيراني .

4 – بناء هذا المثلث الإقليمي ستكون لها انعكاسات سياسية بارزة علي مثلثات أصغر للقوي في ساحة الشرق الأوسط مثل المثلث (الأردني ، الفلسطيني ، اللبناني ) الذي يمثل المجابهة المباشرة مع إسرائيل،

والمثلث ( العراقي ، السوري ، السعودي ) .

ومن خلال ما تقدم نري أن حلم المثلث الإستراتيجي الذي بشر به الراحل جمال حمدان كأحد تجليات التوجه المصري نحو آسيا  ُتوهب له الحياة ويخرج للنور من خلال تنظير أوجلو له علي المستوي الأكاديمي في كتابه العمق الإستراتيجي ثم انتقاله للواقع السياسي المعاصر من خلال جهود وزارة الخارجية التركية تحت قيادة أوجلو  التي جعلت من أولوياتها الإسراع في قيام هذا المثلث الحساس.                                                                 

وفي هذا الإطار من المفيد معرفة تاريخ و حجم وطبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين دول المثلث  وردود فعل القوي العالمية المهيمنة علي هذه العلاقات، ويتضح ذلك من خلال استعراض التالي .

علاقات الأضلاع :

1- الضلع التركي – الإيراني : حقق تقدماً كبيراً في هندسة هذا المثلث من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية بينهما عبر العديد من الاتفاقيات الإستراتيجية فمن الناحية الاقتصادية بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حاليا أكثر من ستة مليارات يورو سنويا ومن أشهر مجالات التعاون الاقتصادي التركي – الإيراني . الاتقافيات الخاصة  بالغاز الإيراني  حيث  أن تركيا في حاجة إلى الغاز الإيراني لاستهلاكها المتنامي ولتعزيز موقعها الاستراتيجي لإمداد أوروبا بالغاز الإيراني.

ومن الناحية السياسية  تدعم تركيا الموقف الإيراني في أحقيتها في امتلاك برنامج نووي سلمي، فطبيعة العلاقات التركية – الإيرانية منفتحة علي المستقبل .

2- الضلع التركي – المصري : شهدت العلاقات المصرية – التركية تطوراً كبيرا ً في عهد حكومة العدالة والتنمية  فمن الناحية الاقتصادية  حيث زاد  حجم التجارة العام من 727 مليون دولار عام 2005 إلي ثلاثة مليارات دولار عام 2009، كما تزايدت الصادرات المصرية لتركيا بنحو 300% وتم أيضاً افتتاح أول خط ملاحي بحري بينهما،وعلي المستوي الثقافي والتعليمي تم افتتاح أول مدرسة تركية في القاهرة مفتوحة أمام الطلاب المصريين والأتراك المقيمين في القاهرة ، وفي المجال العسكري  شهد شرق البحر المتوسط المناورات  البحرية  التركية  - المصرية تحت عنوان "بحر الصداقة التركية المصرية 2010"، وهذه المناورات، هي النسخة الثانية للمناورات البحرية الأولى التي جرت في المياه الإقليمية التركية في نوفمبر 2009 بناءاً على اتفاقية التعاون العسكري الموقعة بين البلدين في ذات العام

 .3- الضلع الإيراني – المصري : توقف قلب العلاقات المصرية – الإيرانية عن النبض وفارق الحياة  عندما وقعت مصر على معاهدة السلام بينها وبين إسرائيل في مارس/آذار 1979 حيث بادرت طهران بقطع العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة وتدهورت العلاقات بشكل كبير وتوقفت الصلات بين البلدين بشكل شبه تمام ماعدا بعض العلاقات الرياضية والثقافية ولكن في الأيام الأخيرة وقع حدث مهم  منفتح علي المستقبل مُبشر بالخير والمنافع لمصر وإيران وهو استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين ويقضي الاتفاق بتسيير 28 رحلة جوية أسبوعيا بحد أقصى بين القاهرة وطهران وهذا الحدث يأتي بعد قطيعة في العلاقات المصرية – الإيرانية تجاوزت الثلاثين عاماً، وقد أعربت الولايات المتحدة عن أسفها لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وإيران.

من خلال ما تقدم عن طبيعة العلاقات المتنوعة بين دول المثلث يتضح لنا التالي :

1-  مدي قوة الضلع التركي- المصري والضلع التركي- الإيراني وميل العلاقات بينهم نحو الاستقرار والاستمرار بدرجة من الدرجات.

2-  ويظهر لنا مدي تأزم العلاقات المصرية – الإيرانية منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل ولكن استئناف الرحلات الجوية بين طهران والقاهرة ربما يفتح مرحلة إستراتيجية جديدة بين مصر وإيران تدفع في اتجاه استعادة كامل العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين البلدين

3- تزامن إجراء المناورات البحرية بين مصر وتركيا في البحر المتوسط واستئناف الرحلات الجوية بين مصر وإيران أزعج كل من الكيان الإسرائيلي والخارجية الأمريكية .

4- مجمل العلاقات بين تركيا ومصر وإيران تقتصر علي الجانب الرسمي دون الشعبي والجانب الاقتصادي دون الثقافي لكن لابد من قيام علاقات بين منظمات المجتمع المدني في الدول الثلاث للمساهمة في تحسين الصور الذهنية التاريخية  لشعوب الدول الثلاث

وفي الختام تبقي هناك رسالة خاصة للخبراء السياسيين والأكاديميين المصريين والإيرانيين ليسرعوا الخطي في مسار إنجاز إصدارات أكاديمية رصينة تشرح و توضح الخيارات الجيواستراتيجية المستقبلة لعلاقاتهم السياسية والاقتصادية بدول المحيط الإقليمي المجاور وباقي الدوائر الجغرافية  العالمية مثلما فعل  الدكتور أحمد داود أوجلو ورفاقه في الخارجية التركية في زاوية العمل. 

التعليقات

صورة مجهول

يارب ما ترجع علاقتنا بالشيعة تاني .. لأن البعد عنهم غنيمة

صورة عمرو صالح يس

إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون
نضر الله وجهك ياغرباوي أثلجلت صدرقوم في أمة لا ترى الا تحت قدميها
كثر الله من أمثالك وقلل كثافة الأيديولوجبا
فخور بك والله

صورة Rhodes26

When you are in the industry to get a Rolex observe, you of course choose to make certain you will be acquiring the actual issue rolex replica watches for sale Replica Rolex Watches. The Rolex brand name of watches is definitely the most copied observe in the globe fake Cartier Watches , some making use of incredibly sophisticated counterfeit procedures. Replica Rolex Watches for sale One particular feel to consider is the fact that if it seems also excellent to become correct, Replica Rolex Watches Replica Rolex Watches or is often a as soon as inside a existence time offer you, it is in all probability a faux. fake Cartier Watches