الحركة الإسلامية في السودان.. مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي

صورة محمد الشنقيطي

 لدى المطلعين على العلوم الإستراتيجية والتنظيمية ميل لاعتبار أن "المرونة، التماسك، الاستقلالية،  التركيب، الاستيعاب والإيجابية،" معايير تصلح للحكم على مدى فاعلية التنظيمات السياسية عموماً. وهي نفس معايير الأستاذ الشنقيطي عندما حاول الإجابة عن "كيف ربطت الحركة الإسلامية في السودان بين فقه المبدأ وفقه المنهج؟"  وما هي الخلفية الفكرية والخصائص المميزة لروافد فكرها التنظيمي؟ وكيف تعاملت مع المعضلات الفكرية والعملية المتمثلة في ثنائيات

"الشكل والمقصد، الإسرار والإعلان، الالتزام والمبادرة، الوحدة والتباين، العمق والامتداد، الفصل والوصل"؟ وما هي مواطن التجديد والتميز والتكيف في بنيتها الهيكلية؟ كيف تفادت الحركة داء القصور القيادي لدى الحركات الإسلامية في اختيار وعزل القادة وحماية الشورى؟ وما هي فلسفة الحركة في التعامل مع مجتمعها؟ وكيف تتعامل الحركة مع السلطة تحالفاً ومعارضة؟ وما هي رؤيتها لمراتب العموم والخصوص في العلاقة بالحركات الإسلامية؟ أسئلة أجاب عنها الشنقيطي في مدخل وسبعة فصول، ضمنها كتابه (الحركة الإسلامية في السودان: مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي)، الصادر عن دار الحكمة بلندن في العام 2002م، والذي هدف من خلاله إلى "تقديم العبرة إلى شباب الصحوة، وتعميق ثقافتهم العملية، والتعريف بتجربة إسلامية رائدة، تعاضد ظلم ذوي القربى وكيد الأبعدين على طمسها، والحيلولة دون أخذ العبرة منها".

ذلك الكتاب، فهل الكاتب هو محمد مختار الشنقيطي إمام مسجد أبو بكر الصديق ببحري؟ لا لكنه الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي، الذي يبيّن مقدم الكتاب أنه لم يزر السودان أصلاً، "وتلقى تعليمه الأساسي بالمدرسة الفقهية والأدبية الشنقيطية، فمنها أخذ أصالة العلم الشرعي ونقاءه، ثم التحق بالتعليم الحديث في مجالين كان له فيهما سبق مشهود: الفقه السياسي، واللغات الحديثة.. درّس في ثانويات موريتانيا، قبل أن ينتقل إلى صنعاء أستاذا في جامعة الإيمان، مدرسا للتفسير والنحو.. كاتب صحفي متميز، وباحث أكاديمي بإتقان.. أكسبته دراسته الشـرعية الأصالة المطلوبة، وأعطته ثقافته المعاصرة الحداثة المرغوبة. له كتابات عديدة منها المنشور ومنها المرقون. كتب في عدة صحف ودوريات موريتانية ويمنية، وله كتاب متميز موضوعاً ومحتوى عن "الشرعية السياسية في الإسلام بين الوحي والتاريخ". يقيم الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يواصل رحلة البحث والدراسة والعمل".

فقه المبدأ وفقه المنهج

 مدخل بدأ به المؤلف كتابه، محاولاً الإجابة عن السؤال التالي: هل الوسيلة القاصرة تخدم المبدأ السامي؟ وهل يصلح أن نحاول خدمة المبادئ الإسلامية الجليلة بوسائل متخلفة عن عصرها ومناهج مهلهلة في منطقها؟

يرى الكاتب أن الوحي تضمن نمطين من المفاهيم لا غنى للعقل البشري عنهما، مفاهيم تتعلق بالمبدأ "ماذا؟ ومفاهيم تتعلق بالمنهج كيف؟ والنمط الأخير "كيف" يمثل معضلة للحركات الإسلامية المعاصرة، التي "تعيش أزمة منهجية عميقة عبّر عنها بـ "تخلف الثقافة العملية". كما يرى أن الحضارة الإسلامية تعاني من ضمور في الفقه "السياسي والإداري والتنظيمي". أورثها عدم توازن بين فقهي المبدأ والمنهج، ويرجع ذلك إلى عدم القدرة على التوفيق بين جدلية الاكتساب والاستيعاب، وانهيار الخلافة الراشدة، وقطيعة أهل القرآن، وأهل السلطان، وفقدان العقل المسلم لمرونته العملية، وتجريدية القواعد المنهجية، وأسر الأشكال التاريخية، وعدم الاستفادة من التراث الإنساني المعاصر في مجال الفكر التنظيمي، في ظل تخلف الثقافة السياسية في العالم الإسلامي المعاصر. وطبقاً للفيلسوف المسلم محمد إقبال، يرى الكاتب أن المشكلة عدم فاعلية" ويتفق مع مالك بن نبي في أن حركات الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين فقد ت إشعاعها الاجتماعي وروحها العملية، نتيجة لـ "إغراقها في الحديث عن العقائد على طريقة علم الكلام القديم"، فأصبحت تغذي الجدل على حساب العمل لأنها "تخرج متخصصين بارعين لا دعاة مخلصين". وبالتالي فإن  إقبال وبن نبي والمؤلف يلخصون المشكلة في عدم الفاعلية وفقدان المنهجية العملية خاصة في مدرسة محمد عبده الإصلاحية. وليس بعيداً عن ذلك ما أصاب الحركات السلفية، التي فشلت في ربط فقه المنهج بفقه المبدأ، وأصابها داء التجريد النظري، ففقدت وظيفتها الاجتماعية، وتحولت إلى مدرسة كلامية في الواقع العملي، مجانبة بذلك منهج أئمة السلفية "ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب".

أما الحركات الإسلامية المعاصرة ففي نظره قد اشتغل شبابها بأدب المرافعات ورد الشبهات بدلاً عن الثقافة الإيجابية. وحركة الأخوان المسلمين في مصر -ففي رأيه- قد أصابها – بعد البنا– داء الفكر الإطلاقي الذي لا يولي اعتباراً للواقع العملي، ويكثر التغني بالمبادئ الجليلة دون نظر للمناهج العملية التي تخدم تلك المبادئ، كما عند سيد قطب. ويرى الكاتب أن الحركات الإصلاحية والإسلامية المعاصرة ظهرت لاسترجاع الوظيفة الاجتماعية للدين، والتي تمثل "جوهر أزمة المجتمع المسلم" الآن، لكن انشغالها بعلم الكلام الذي يعني "كل فكر لا تترتب عليه ثمرة عملية "أفقدها الفاعلية والقدرة على ذلك. فهو يرى أن الخميني نجح في تحريك الشيعة بأفكاره العملية "ولاية الفقيه"، وكذا البنا والمودودي كانا رائدين لحركة الصحوة الإسلامية لعمليتهما، وإن اتسم فكر البنا التنظيمي بشيء من الضعف. ويرى أن فشل الحركات الإسلامية المعاصرة في التوفيق بين المبدأ والمنهج أكسبها مساوئ "الاستبداد والتخلف القيادي وتضارب الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية في الفكر الاستراتيجي التنظيمي، وعدم القدرة على تجريد المبدأ عن حامله والوسيلة التي تخدمه. وغياب فكرة الإمكان التاريخي" ونتيجة لذلك فقد أهملت هذه الحركات وقادتها إعداد العدة "الفكر المنهجي"، ويقترح الكاتب للخروج من ذلك عليها أن تحول تلك الحركات (الرغبة إلى عزم، والعزم إلى خطة، والخطة إلى فعل) وإلا فالوسيلة القاصرة لا تخدم المبدأ السامي بل تقتله وتقضي على وظيفته في الحياة، ولا يصح استخدام الوسائل المتخلفة عن عصرها، والمناهج المهلهلة في منطقها، لخدمة المبادئ الإسلامية الجليلة.

الملامح والروافد

هل انطبقت معايير "المرونة ، التماسك، والإيجابية" على الحركة الإسلامية في السودان؟ ولماذا ؟ وكيف تعاملت مع روافد فكرها الإستراتيجي والتنظيمي؟ أسئلة أجاب عنها الكاتب من خلال الفصل الأول، حيث يرى أن الحركة الإسلامية السودانية هي الحركة الوحيدة التي انطبقت عليها جميع معايير الفاعلية تقريباً. ويرجع ذلك إلى جملة من الملامح العامة الإيجابية التي اتسمت بها وأصبحت جزءاً من كينونتها وهويتها الذاتية، وهي:

أولاً: ارتباط الفكر بالعمل: مما أكسب تجربتها طرافة وجدة، وصبغ نتاجها كله، وهو أمر تميز به قادة الحركة الإسلامية في السودان، إلاَّ أنّ الحساسيات الحزبية والقطرية حالت بين بعض الإسلاميين والاستفادة من فكرهم وتجربتهم.

ثانياً: استيقان الغاية واستبانة السبيل: وهو الارتباط الوجودي بين المبدأ والمنهج، وهي مسألة تستمد من مفهوم الإيمان الإيجابي في الدنيا والآخرة، ومفهوم يرى أن التوحيد "فكرة حية يغذيها جهد  عملي".

ثالثاً : الوعي بحركة الزمان وخصوصية المكان: إن للحركة في السودان وعي "بحركة الزمان التي لا ترحم الواقفين الجامدين، ولا تنتظر المترددين الخائفين، الذين يعيشون عصرهم بوسائل عصور خلت، ولا يميزون بين المبدأ الخالد والوسيلة الفانية" ومع ذلك لها ولقادتها "وعي بالمكان" وبالتالي خرجت من المأزق الذي وقعت فيه الحركات الإسلامية عندما غفلت عن حركة الزمان وخصوصية المكان، والسلفيون عندما "أصبح الدين عندهم متمثلاً في تاريخ المتدينين".

رابعاً : البحث عن المنهج والنظام: بدأت الحركة أول عهدها كسائر الحركات، حيث كان "فقه المبدأ لديها أنضج من فقه المنهج والتنظيم"، وتلافت الأمر فيما بعد حينما ركزت على مبدأ الفاعلية وخلصت إلى "أن أزمة التدين عند المسلمين ناشئة عن ضياع نظام الجماعة ونقص الفاعلية، لا عن ضياع أصل الإيمان".

خامساً : استخلاص العبرة التاريخية: استفادة من قصور الحركات الإسلامية والإصلاحية المعاصرة قدّم مفكرو  الحركة "مكي، الترابي، التجاني عبد القادر، الأفندي، وآخرون" قراءة نقدية لها، واستخلصوا منها العبرة التاريخية.

سادساً : الاهتمام بالقوى النوعية: في حين تجاهلت الحركات الإسلامية المعاصرة القوى النوعية "الجيش، المال، والإعلام" لم تقبل الحركة الإسلامية في السودان ما عبّر عنه الكاتب بالبلادة الفكرية والبلاهة السياسية، وبنت قوة نوعية دون إهمال للحشد الكمي.

سابعاً : منهج التوكل والإقدام: في حين أن الحركات الإسلامية المعاصرة "تجبن عن المراجعة خوف انكشاف الخطأ، كما تجبن عن الإقدام خوف الوقوع في الخطأ" كان منهج التوكل والإقدام من أهم المبادئ العقدية والفكرية التي نبعت منها إبداعات الحركة الإسلامية في السودان في المجال الإستراتيجي والتنظيمي.

ثامناً : سيادة الروح المؤسسية : لئن كان التمحور حول قائد الملحمة الذي يعرف كل شيء، ويحسن الكلام في كل شيء سمة أساس في كل الحركات الإسلامية المعاصرة، فإن الحركة السودانية رأت الأثر السيئ لذلك على التنظيم، ومن ثم تحولت إلى مؤسسة من الأجهزة، وسلمت من داء التمحور " لسيادة الروح المؤسسية فيها".

تاسعاً : فلسفة التصحيح والاستدراك: في حين أن كثيراً من الحركات الإسلامية لا تسأل نفسها هل تقدمت في العشر سنوات الأخيرة أم تأخرت؟ فإن منهج الحركة الإسلامية في السودان كان ناقداً، أساسه التطوير الدائب والاستدراك على الآخرين وعلى الذات، مما مكنها من إدراك وتدارك جوانب القصور التي تظهر في هيكلها التنظيمي والاستراتيجي من حين لآخر" .

عاشراً : منهج الترفق والتدرج: وهو الذي جنّب الحركة الإسلامية في السودان الانشغال بالعموميات عن الواقع المتعين، كما هو شأن جماعات أخرى. فاهتمت الحركة بالثقافة العملية ذات الصلة بتحقيق الحياة الإسلامية في مجتمعها، وأن تكون مستجيبة للواقع المعيشي في البلد الذي تجاهد فيه متناغمة مع حاجات الناس وفي مستوى استيعابهم".

تعتبر حركة الأخوان المسلمين بمصر، والجماعة الإسلامية بباكستان، والحركة الشيوعية السودانية، والفكر التنظيمي الغربي، والاجتهاد والتأصيل الذاتي، روافد أساسية غذت الحركة الإسلامية في السودان فكرياً و "بهذا تكون قد سارت في تطور روافدها التنظيمية على المنهج الصحيح الذي يبدأ بالتقليد والاقتباس؛ اختصاراً لطريق التأسيس، وتشييداً على ما بذله الآخرون من جهد وينتهي بالاجتهاد والتأصيل؛ مراعاة لخصوصيات الواقع المتعين". وتعدت استفادتها من هذه  الروافد الفكرية للاستفادة من الأخطاء الاستراتيجية والتنظيمية والتكتيكية للحركات الإسلامية وغير الإسلامية، كفشل التحالف الشيوعي المايوي، وأخطاء الانقلاب الشيوعي على نميري.

الثنائيات الكبرى

هل مثّلت ثنائيات "الشكل والمقصد، الإسرار والإعلان، الالتزام والمبادرة، الوحدة والتباين،  العمق والامتداد، الفصل والوصل" معضلة فكرية للحركة الإسلامية في السودان؟ أم تعاملت معها بمرونة؟ أسئلة أجاب عنها الكاتب في الفصل الثاني، حيث يرى أن الحركة الإسلامية في السودان لم تجمد على شكل واحد في التعامل مع هذه الثنائيات، بل ظلت تتكيف مع واقعها المتغير، متجددة في أشكال وطرائق عملها، مرجحة هذا أو ذاك المنحى تبعاً لحركة الزمان وخصوصية المكان. ولم تمثّل لديها هذه المرونة أية خطورة على المبدأ، إذ أنها تنطلق من فلسفة "أن جوهر الحق واحد مهما تعددت الأثواب التي يلبسها".

جدلية الشكل والمقصد: تضحية الحركة الإسلامية بالأشكال والأسماء متى دعت الحاجة لذلك خدمة للمقصد، سبب أساس في قوتها ومتانتها. وخاصية ميزتها عن سائر ا لحركات السلفية والإسلامية المعاصرة، التي ظلت هذه الجدلية حاضرة في تاريخها وواقعها.

معادلة الإسرار والإعلان: "جهرية الدعوة وسرية الحركة" قاعدة شائعة في هذه المعادلة لدى الحركات المعاصرة، بيد أنها تطرفت في معادلة التخفي الضروري والعلن الواجب بين فرط تخفٍ مؤدٍ للجمود وإطلاق علنٍ يقود إلى تسيب. لكن الحركة السودانية نجحت في هذه المعادلة من خلال الفصل بين مجالات السر والعلن بشكل حدي صارم، وتقدير منضبط لحدودهما، فتفادت بذلك مساوئ الفصل التي حدثت في النظام الخاص لحركة الأخوان المسلمين بمصر. وبهذه الإستراتيجية كسبت الحركة الإسلامية في السودان كسباً أوصلها حد التمكين.

تلازم العمق والامتداد: ثمة عدم توازن بين منهج الانتقاء الكيفي والحشد الكمي ينتج عنه إشكال عملي عاق مسير حركات التغيير، وأقعدها عن الانطلاق، وهو ما عانت منه حركتي الأخوان بمصر، والجماعة الإسلامية بباكستان، بيد أن الحركة الإسلامية السودانية تعاملت معه بمنهج متفائل، لم يترك مجالاً للنظرة التقليدية المتشائمة، ووازنت بين العمق والامتداد بإستراتيجية تراعي ظروف الزمان وخصوصية المكان والوظيفة الحركية "عمقاً مع انحسار الحريات، وامتداداً مع انحسار الكبت".

إستراتيجية الفصل والوصل:  تعني قدرة الحركة على الفصل بين المهام المتداخلة وفصل بعض المهام عن الهيكل التنظيمي الأساس، في ظل الإبقاء على رباط يخضع تلك الوظيفة لتوجيه الحركة عن بعد، وهي من المشاكل التنظيمية الأساسية التي تواجه الحركات الإسلامية المعاصرة. إلاّ أن الحركة الإسلامية في السودان طبّقت هذه الإستراتيجية من خلال الفصل بين  ثلاثة مجالات، هي: (المجال السياسي والإداري، والتربية والتكوين، والأمن الوقائي). وبالتالي فرغت القيادة  العليا للمهمات الإستراتيجية وأهل كل شأنٍ لشأنهم. كما فصلت التربية عن التكوين عن طريق الأسر المفتوحة والدورات التدريبية، فحصر التدريب في أهله، وأدت التربية مفعولها في المجتمع. وكان للنظام اللامركزي وفصل القيادة الداخلية عن الخارجية دور في الأمن الحركي الوقائي.

البنية الهيكلية

هل تحول الهيكل لدى الحركة الإسلامية في السودان إلى غاية؟ أما زال يحكمها هيكل عهد التأسيس؟ وهل للتراث التنظيمي في الحركتين (المصرية والباكستانية) أثر على الحركة الإسلامية في السودان؟ وما هي مواطن التميز والتجديد والاستدراك في الحركة السودانية؟ أسئلة أجاب عنها في الفصل الثالث عند الحديث عن البنية الهيكلية للحركة في السودان. حيث أكّد أن العمل الإسلامي المعاصر استمد التجربة الجماعية و العمل المنظم من حركتي الأخوان بمصر، والجماعة الإسلامية بباكستان، حيث بيّن المساوئ والمحاسن بالهيكل التنظيمي للحركتين، وما نتج عن هذه المساوئ من أزمات. و يرى أن أزمة الحركة المصرية أزمة قيادة، بينما الباكستانية أزمتها أزمة قاعدة ، وكلا الأزمتين قعدت بالحركة لردحٍ من الزمان، أما هيكل الحركة الإسلامية في السودان فقد ظل يتغير باستمرار طبقاً للتغيرات في دستورها وتكيفاتها مع واقعها السياسي والاجتماعي، وفق إستراتيجية تنشئ الجهاز التنظيمي لغرض محدد تسعى الجماعة لتحقيقه تمرحلاً مع برامجها، تنفيذاً وتخطيطاً. مع اعترافه بأثر الحركتين على هيكل الحركة الإسلامية بالسودان في طور تأسيسها، كما أظهر مجموعة من الاختلافات الجوهرية في الفكر التنظيمي للحركة السودانية عنهما، وهو أمر أكسبها جدة وتميزاً وفاعلية، وتتمثل هذه الاختلافات في:

أولاً : اتساع السلطة التأسيسية.

 ثانياً : الانتقال من البساطة إلى التركيب.

ثالثاً : التوسع الرأسي.

 رابعاً: التوسع الأفقي.

خامساً : التوازن بين السلطات

سادساً : حضور العمل التنظيري في رسم إستراتيجيات الحركة.

 سابعاً : اتباع نظام الأسر المفتوحة.

البناء القيادي

هل عانت الحركة الإسلامية في السودان أزمة القيادة في الحركات الإسلامية المعاصرة؟ وهل عاشت معضلتها الكبرى في تغيير القادة ؟ أهي تنظيم صفوي؟ أم تنظيم يتبع التقسيم اللائحي لعضويته مراتباً؟  أم ماذا؟

إن أزمة القيادة في الحركات الإسلامية المعاصرة تتمثل في ندرة القادة التصوريين، القادرين على بناء رؤية متجاوزة تخرج الحركات من حالة الجمود والفوضى التي تعيشها، ذلك ما أكده الكاتب من خلال الفصل الرابع وحديثه عن البناء القيادي، حيث يرى أن أزمة القيادة في الحركات المعاصرة تتمثل في:

‌أ- الخطأ في تصورها لوظيفة القائد، أهو مخطط إستراتيجي ومشرف عام؟ أم إنه جندي وموظف إداري؟.

‌ب- محورية القائد، والتي ينتج عنها مجموعة من العيوب "سيادة مفهوم السيطرة، إغراء الأتباع بالصراع على مناصب القيادة، التأثير السيئ على لغة التفاهم بين القيادة والقاعدة، ميل القيادة إلى عزل مخالفيها في الرأي والشدة عليهم".

‌ج- إفراغ الشورى من مضامينها: رغماً عن تجاوز كثير من الحركات الإسلامية المعاصرة للجدل، حول إلزام وإعلام الشورى، إلاّ أن كسبها العملي ظل متخلفاً في هذا الشأن. هذه الأزمات عانت منها الحركات الإسلامية عموماً، وحركة الأخوان المسلمين بمصر خصوصاً، مما أفقدها المزايا العملية والحركية، وأكسبها مظاهر من الضعف والتفكك في التركيبة القيادية الإدارية، التي لم تعد مجدية، بل أصبحت عقبة أمام الدعوة الإسلامية في مصر وكل الأقطار التي امتدت إليها يد الجماعة.  لكن الحركة الإسلامية في السودان كانت واعية للدرس، متجاوزة لأزمة القيادة، حيث اتبعت مجموعة من الضوابط التي أكسبتها تميزاً، ويمكن إجمال تلك الضوابط فيما يلي:  

1.   الشمول والتكامل القيادي: حيث يشتمل هيكلها القيادي على أهل السبق والخبرة، وأهل الشباب والتجديد، وأهل الدعوة والخطاب، وأهل العطاء التنظيمي الداخلي، وأهل السمت الديني التقليدي،  وأهل الثقافة الحديثة، وأهل التمثيل المخصوص، بحيث يتم الإتيان بهؤلاء جميعا عن طريق الانتخاب الحر المباشر وغير المباشر.

2.  المراقبة والمحاسبة: عن طريق تقارير الأداء  التي يقدمها القادة تقييماً لإنجاز خطة أو أداء أية مهمة، منضبطة بلوائح الحركة ونظم إدارتها. كما تزكي في نفوس العضوية منهج الرقابة الذاتية. وإمعاناً في مبدأ الرقابة والمحاسبة. وحماية للشورى من المعوقات الموضوعية؛ اتبعت الحركة أساليب متعددة كتعدد المرشحين للقيادة، ومنع تشكيل كتل الضغط، وقبول الجرح والتعديل في حدود، وفتح باب النقد الذاتي، والتقييد الزمني لفترة الولاية. ولا تقف حدود الرقابة والمحاسبة عند الشجب والإدانة، بل تبدأ بالتوجيه والاستدراك، وقد تصل حد العزل من القيادة كما حدث مع مرشدها العام الرشيد الطاهر بكر.

3.  إتاحة حق تولى القيادة لجميع العضوية: ما كانت الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً صفوياً يحتكر حق الانتماء والقيادة لفئة مخصوصة من الناس، بل ولا كانت تنظيماً لائحياً يصنف عضويته مراتباً، يحق لبعضهم تولى القيادة وممارسة الشورى حسب السبق الزمني في التنظيم، إنما اختارت طريقة التنظيم الواسع القائم على درجة واحدة من العضوية، والتي يحق للجميع فيها تولي القيادة بكافة المراتب، شريطة أن يحوزوا ثقة الشورى.

العمل في المجتمع

كيف تعاملت الحركة الإسلامية السودانية مع القوى الاجتماعية المحلية؟ وهل قدمت برنامجاً إسلامياً مرناً قادراً على اجتذاب قطاعات المجتمع؟. في حديثه عن القوى الاجتماعية "الأحزاب، الجيش، الطلاب، العلماء، الصوفية، السلفية، النساء، المسيحيون، العمال" أجاب عن هذه الأسئلة من خلال الفصل الخامس، حيث يرى أن الحركة الإسلامية في السودان لم تفقد أبداً الثقة بالجماهير المسلمة، ولم تقف منها موقف عداء واستعلاء، بل تعاملت معها وفق منهج يدرك أن المجتمع المسلم –مهما انحرف– تظل فطرة الخير مركوزة فيه. وأن التفاعل هو الذي يفجر هذه الفكرة،  وبالتالي كانت عملية في صلتها بالمجتمع "فهي تقدر كوامن الخير فيه وتشجعها، ولو لابسها غبش، وتقف في وجه الشر ولا تترك له فراغاً يتمكن فيه". حيث تعاملت مع القوى الاجتماعية بمنهج "التفاعل"  و "الانفتاح" كما يظهر فيما يلي:

-     الأحزاب: لم يكن موقف الحركة الإسلامية في السودان من الأحزاب موقف معادٍ لها، كموقف حركة الأخوان المسلمين بمصر، ولم تدع لإلغائها بالجملة من الساحة السياسية، ولم تكن ذات فكر إطلاقي في علاقتها بالأحزاب، بل ميزت بينها وفقاً لمقتضيات الحال، فالعلاقة بالأحزاب التقليدية تختلف عنها بالحزب الشيوعي. فهي لم تعادِ الأحزاب التقليدية ذات القاعدة الإسلامية المغرّر بها عداءً مطلقاً، بل استظهرت ببعضها تحالفاً وتكتلاً في عملها السياسي، وفي صراعها مع الحزب الشيوعي، وضد النظم الحاكمة.

-     الجيش: لما أدركت الحركة أن الجيش حاجز كثيف أمام التغيير الإسلامي، وأداة فعالة من أدواته، تعاملت معه بمنهج ثلاثي الأبعاد "التحييد– الغزو من الخارجالاختراق من الداخل"، استخدمت الحركة المنهجين الأول والثاني تكتلاً وتحالفاً مع الأحزاب، ولما لم يفلح ذلك لجأت للاختراق من الداخل، وهو أمر أثمر  فيما بعد تمكين الحركة. تجدر الإشارة إلى أنها استخدمت هذه الطرق بشكل متوازٍ، فإن كانت تقدم هذا أو ذاك وفقاً لوعيها بظرف الزمان.

-     الطلاب: هم الأصل في نشأتها، وسبب من أسباب حيويتها وفاعليتها، والسر في منحاها التجديدي في الفكر والعمل. وقد أثمر تركيز الحركة على الطلاب كسبها للقطاع الحديث المتعلم من المجتمع، مما أكسبها الريادة والقيادة التي لم تتوفر في كثير من الحركات، كما كسبت المستقبل في السودان.

-     العلماء: لم تجد الحركة عائقاً في الالتحام بعلماء الشرع في مجتمعها ودمجهم في نهجها الإصلاحي الشامل، وأثمرت سياسة دمج العلماء في نشاط الحركة أن سَلِم الواقع الإسلامي السوداني من الازدواجية المريرة التي تعاني منها الكثير من المجتمعات الإسلامية.

-     السلفيـة: رغماً عن انحراف السلفية المعاصرة عن منهج "السلف القائم على البساطة وتجنب الخوض في أمور لا طائل منها إلا لضرورة " وتحولها إلى ما يشبه المدرسة الكلامية التي تهتم بالجدل أكثر من العمل، وتطنب الحديث في العقائد دون داع شرعي، فإن الحركة الإسلامية فطنت إلى أن الخلاف منهجي لا مبدئي، فحرصت على تجنب الصراع والاستقطاب في علاقتها بهم، مما أثمر تكوين الجبهة الإسلامية القومية  التي كان السلفيون أحد مكوناتها الأساسية.

-     الصوفيـة: رغما ً عن نشأة الحركة الإسلامية بعيداً عن أجواء التصوف ومحاذيره في المنحى التجديدي للحركة، ورغماً عن أن العلاقة بينهما في البداية لم تكن حسنة، فإن اتباع الحركة لأسلوب الاستيعاب لا المواجهة، وإنشائها مكتباً خاصاً للتعامل مع الصوفية، قد حقق نجاحاً في مجال الحشد والتعاظم الكمي للحركة. وأثمر برنامج الحركة الشمولي الطموح استفادة من خير كل الطوائف، فأصبحت تعالج أمور المجتمع "بتعمق في فقه الدين كالعالم، ومنهجية في تزكية النفوس كالصوفي، وتعبئة جماعية لبناء قوة منظمة تقيم شأن الدين الخاص والعام كالمجاهد".

-     النسـاء: أدمنت الحركات الإسلامية المعاصرة الانشغال بحماية المرأة لا تنميتها، لكن الحركة الإسلامية في السودان أدركت مساوئ هذا الموقف المتوجس، وبدأت التأصيل لتحرير المرأة ومشاركتها في العمل الإسلامي، ووضعت حداً فاصلاً بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع، فأثمر ذلك تحريراً إيجابياً أسهمت به المرأة في مجتمعها، مشاركة وتفاعلاً، وأنجبت نساءً قدمن الكثير في الشأن العام، أوصلهن حد الاعتقال السياسي.

-     القبائـل: تجاهلتها الحركة في البداية، وحينما أدركت أن التوسع الكمي يتطلب الاستفادة من كل قوة اجتماعية لها وزن، أوجدت المداخل اللازمة وفق منهج يدرك أن أهل القبائل سيدخلونها بتدين تسيطر عليه الأعراف، وتوجهه العصبية الضيقة، فتعاملت معه بتدرج أزال منه الكثير، وأنشأت مكتباً للاتصال بالقبائل وفق خطاب يستوعبونه، وبرنامج يقبلونه.

-     المسيحيون : كانت الحركة في بداياتها محصورة في أهل الشمال المسلم، لكنها أدركت في زمن تداخل الثقافات وحوار الأديان أن تجاهل الجنوب غير المسلم لا يتناسب وعالمية الإسلام، فأصّلت لإستراتيجية تجاه الجنوب، تحاول دمجه في الشمال، على أساس البر والقسط، فاهتمت ببرنامج الأسلمة في الجنوب بدلاً عن بناء تنظيم للحركة، وقد أثمر ذلك ثمرات طيبة.

-     العمـال : كان كسب الحركة في شريحة العمال ضعيفاً إذا ما قورن بكسبها من فئات المجتمع الأخرى، بيد أنها دخلت الحياة العمالية بقوة في الستينيات، مدافعة للحزب الشيوعي، فعزلته ونزعت منه قيادة النقابات، إلا أن أداءها فتر فيما بعد لارتباط الخطة بغرض سياسي وليس مأرب ديني. فضلاً عن دفعها لثمن الشمول "أخذها في الحسبان اعتبارات أخلاقية وسياسية أخرى عند تعاملها مع شريحة العمال".

العلاقة بالسلطة

لماذا كانت الحركة الإسلامية بالسودان أول القوى السياسية وقوفاً في وجه النظام المايوي؟ ولماذا صالحته؟ وما هي أسباب نجاحها في ذلك؟ وماذا جنت من المصالحة؟ أسئلة أجاب عنها الكاتب في الفصل السادس، والذي خصصه للحديث عن علاقة الحركة في السودان بالسلطة السياسية، والتي تبدأ محطاتها بانقلاب الرشيد الطاهر بكر 1959م، ومشاركتها بفاعلية في ثورة أكتوبر 1964م، ووقوفها في وجه نظام نميري في 1969م، ومصالحتها له في 1977م . حيث يرى أن التوجه اليساري للنظام المايوي الذي يختلف مع المشروع الإسلامي للحركة اسماً ورسماً، ولجوئه لمنع الحركة الإسلامية حق العمل والدعوة، أسباب أساسية جعلت الحركة الإسلامية أولى القوى السياسية مناهضة للنظام المايوي. حيث كانت الفترة من 1969 – 1977م نوع من التواصل  القائم على المعارضة والمقاومة بالكلمة والمنشور والمظاهرة والعمل الشعبي الذي بلغ مداه في 1970م، وانتهى إلى ذروته في العمل المسلح في حركة يوليو 1976م ومن ثم أصبح العمل السياسي والتواصل السلمي أولوية من خواتيم عام 1977م مع المصالحة الوطنية، بدءاً بـ 1978م وانتهاءً بـ 1985م حيث انقلب نميري على الحركة.

أما لماذا كانت المصالحة، فإن مجموعة أسباب موضوعية لدى الطرفين قادتهما للمصالحة، حيث كانت عبرة الفشل في تعلق الحركة بالأحزاب التقليدية لتغيير النظام ، وخوف الحركة الإسلامية من ارتهان الجبهة الوطنية للقوى الأجنبية (أثيوبيا – ليبيا) ، والضرر الذي أصاب الحركة من جراء العمل العسكري، وتسابق قيادات الجبهة الوطنية للتصالح مع النظام من خلفها، إضافة إلى بحث نميري عن بديل للشيوعيين حماية لنظامه، ومقارعة للأحزاب التقليدية، فضلاً عن افتتانه بتجربة السادات في التعايش مع الأخوان المسلمين بمصر، كلها أسباب أدت إلى تسارع خطى المصالحة بين النظام والحركة الإسلامية.

ويرى الكاتب أن المصالحة كانت فوق التصور المطلوب من النجاح، معدداً مجموعة العوامل التي أدت لذلك، والمتمثلة في (الاستعداد الفكري المسبق في الحركة للمصالحة، وتجاوز الحركة لطور النشوء، ووضوح المنطلق الإستراتيجي، واهتمام الحركة بآثار لا مقاصد نميري، وحكمة الحركة في الصبر على مزاج نميري المتقلب وإحراجاته المتكررة ، واستعداد الحركة لدفع الثمن والتخطيط للتخفيف من آثاره، وسيادة القرار  الجماعي وسط الحركة، واستقلال الخيارات الأسـاسية، إضافة لضبط العملية والسيطرة عليها)، عوامل متضافرة أدت لكسب الحركة لمعركة المصالحة والتحالف مع نظام نميري للحد الأقصى، وبالتالي جنت مكاسب إستراتيجية من هذه المصالحة، تمثلت في (النمو والامتداد السريع– حرية العمل بطلاقة– اختراق أجهزة الجيش والأمن– إشاعة مناخ إسلامي عام– اكتساب خبرة سياسية ومراس إداري– بناء قاعدة مالية قوية ونشر نموذج التفاعل والإيجابية).

من كل ذلك نلحظ أن الحركة الإسلامية لم تتعامل في علاقتها بالسلطة السياسية كما حدث "من حركة الأخوان بمصر مع عبد الناصر" بعقلية جبرية متصلبة. وتبقّى أن يدرك الجميع أن الحكام وظهيرهم الدولي أدركوا أن القمع المباشر لا يفيد، وأن التضييق الكامل قد يولد انفجارات غير متوقعة، فبدأت إستراتيجية الاحتواء والترويض تظهر في كل مكان، أما ثمرة هذه الإستراتيجية واستفادة الحركات منها؛ فمسألة تتوقف على مستوى إدراك الحركات الإسلامية لأبعاد اللعبة، واستيعاب مقتضياتها، والبعد عن التعامل بالعقلية الجبرية، واستصحاب منهج الإمكان التاريخي في هذه المسألة .

العلاقة بالحركات الإسلامية

هل وعت الحركة الإسلامية في السودان بظرف الزمان وخصوصية المكان في العلاقة بالحركات الإسلامية الأخرى؟  وما هي رؤيتها لهذه العلاقة؟ وأية خلفية فكرية تسندها؟ وماذا دفعت ثمناً لهذه الرؤية؟ في آخر فصول الكتاب يرى الكاتب أن الحركات الإسلامية تتحد في المنطلق والمبدأ، لكنها تختلف في العمر والتجربة والحجم والتكوين، وأن اختلاف المجتمعات الإسلامية يحدد نوع الاستجابة المناسبة لتحديات الواقع، ويفرض على كل حركة إسلامية تعاملاً مخصوصاً يتناسب وخصوصيات ذلك المجتمع، وابتكار الوسائل الملائمة له دون تقليد لتعاملات أخرى في واقع مغاير، أو نقل لوسيلة غير مناسبة دون تكييف أو تحوير، أو انشغال بشأن المسلمين العام عن واجباتها المتعينة، لكن فقدان الحركات الإسلامية المعاصرة للإحساس بالمكان في العلاقة بينها أورثها ضعفاً سياسياً وتنظيمياً مزمناً. غير أن الحركة الإسلامية في السودان اتبعت منهجاً متوازناً يعطي الإسلاميين في كل قطر الحق في أن يراعوا خصوصياتهم الظرفية والمكانية استصحاباً للتحدي الفعلي الذي يعيشونه، والحق في التوازن بين المحلية المكانية والامتداد الأرضي. وبذلك سلمت من الاختلال في سلم الأولويات الذي تعاني منه رصيفاتها الأخريات. إن رؤية الحركة الإسلامية السودانية للعلاقة بالحركات الأخرى القائمة على "الخصوصية والفاعلية"، وباعتمادها منهج التنسيق المرن لا التبعية الملزمة تصادمت ورؤية حركة الأخوان بمصر ، وامتدادها التنظيم العالمي للأخوان، رغماً عن وجاهة الرؤية السودانية. يرجع ذلك إلى الرواسب ا لتاريخية، واختلاف الرؤى حول طبيعة العلاقات، واختلاف النموذج التنظيمي، واختلاف الموروث السياسي والتنافس على القيادة العالمية، إضافة إلى رفض الهيمنة المصرية والعربية. وهو أمر دفعت ثمنه الحركة الإسلامية في السودان فيما بعد، على شاكلة تغذية الحركة المصرية للانشقاقات الداخلية في الحركة السودانية، والتشهير بقادة الحركة، وعزل أبناء الحركة السودانية من المؤسسات الإسلامية العالمية.

والخلاصة أن موقف الحركة السودانية من التنظيم العالمي للأخوان المسلمين والحركة الأم بمصر موقف له ما يبرره، وأن منهج التنسيق المرن الذي تبنته الحركة السودانية هو الأنفع في ظل خصوصيات مختلفة تمليها حركة الزمان وخصوصية المكان المحيطة  بالحركات الإسلامية عبر العالم ، وهو موقف فكري سليم، وإن كانت الحركة الإسلامية السودانية قد جانبته فيما بعد بتأسيس المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي رغماً عن اختلافه عن التنظيم العالمي للأخوان في مدى إلزامية العلاقات.

الخاتمـة

استيعاب العلاقة الجدلية بين فقه المبدأ وفقه المنهج، واستيعاب خبرات العصر في مجالات التنظيم والتخطيط والفكر الإستراتيجي، والحذر من أسْرِ الأشكال التنظيمية، والحذر من الجمود على ما لم يعد مناسباً، وتحقيق الشورى في أمر الحركة كله، وفهم الواقع المحلي والإقليمي والدولي، والتحرر من الروح الحزبية الضيقة، والاعتراف بالتنوع والاختلاف بين المجتمعات الإسلامية والتجارب الإسلامية، وبناء علاقات تناصر وأخوة  دون وصاية أو مصادرة، أمور أكسبت الحركة الإسلامية في السودان جدةً وطرافةً وتميزاً،  وعِبَراً استخلصها الكاتب من تجربتها، وقدّمها دروساً يستفيد منها أبناء الحركات الإسلامية المعاصرة عبر العالم.

بقي أن نؤكد في خاتمة الكلام أن الكتاب حري بالاهتمام، وحري بالمنتمين للحركات الإسلامية بالسودان وخارجه، والمهتمين بأمر الصحوة الإسلامية قاطبة  اقتناؤه ومطالعته والاستفادة منه. 

--------------------------------

عرض: أ. صالح مصطفى أحمد معلى

التعليقات

صورة علا باوزير

الكتاب يبدو أنه يعرض التجربة السودانية بصورة فكرية عميقة..يستحق الإطلاع
تحياتي لكاتب المقال ولمؤلف الكتاب.....

صورة أبو العلاء

الحركة الإسلامية في السودان تختلف عن الحركة الإسلامية الأصل .. فقد دخل فيها من يحملون أفكاراً مختلفة من تيارات مختلفة مما أدى إلى تغير في فكرها بالإضافة إلى مسايرتها لعادات الشعب وطقوسه وهذا أدى بها إلى الإنحراف عن منابع الإسلام الأصلية وهي الكتاب والسنة .

صورة عبد الله

الحركة الاسلامية في السودان لم تنحرف عن الدين بل استوعبت الدين بصورة سديدة وواقعية ذات مفاهيم متجددة