مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي (4)

صورة ليلى زيرق

  يوضح مالك بن نبي لنا الفرق بين الأفكار المطبوعة والموضوعة، حيث أن الأولى هي الأساسية والنموذج المثالي وتقابل الأفكار الرائدة،أما الأفكار الموضوعة هي خاصة بالأفراد قابلة للتعديل والتجديد وتقابل الأفكار العملية.

شبه ابن نبي عالم الأفكار بأنه اسطوانة يحملها الإنسان منذ ولادته ولكل مجتمع اسطوانته وأنغامها الخاصة به التي تميزه عن غيره من المجتمعات,قائلا في هذا :"فعالم الأفكار اسطوانة لها أنغامها الأساسية ونماذجها المثالية،وهي الأفكار المطبوعة،ولها أيضا توافقاتها الخاصة بالأفراد والأجيال:وهي الأفكار الموضوعة".

أما الأفكار المطبوعة في المجتمع الإسلامي هي الإسلام الذي هبط على شكل "وحي" وما نتج عنه من تغيرات في كل مجالات الحياة.

وعندما يبدأ المجتمع في الابتعاد عن أفكاره المطبوعة ويتمسك بالأفكار الموضوعة ويسترد أفكارا غريبة عن طبيعته يصبح بلا جذور وتصمت أفكاره وتموت, كما قال ابن نبي وأكد أن المجتمع الإسلامي يعيش فترة الصمت،وهذا صمت الأفكار الميتة.

وتحدث ابن نبي عن فكرة التحرك الثقافي وحياته وتاريخه،ومحركاته ب"الأفكار والأشخاص والأشياء"

حيث أن لهذه العوالم علاقة متينة بعضها بعض ،لكن لو هيمن عالم دون الآخرين لحدث خلل بالتوازن,وطرق لسبب فشل أو المعوقات التي أخرت العالم الإسلامي عن الإقلاع والاتهامات التي تتبادلها أطراف النزاع لكنه ذهب لتفسير تأخر الانطلاقة الحضارية للحضارة الإسلامية لأسباب داخلية "ثقافية" وأسباب خارجية"استعمار" وأيضا بسبب افتقاد التنظيم وعدم التخطيط."فمثقفو المجتمع الإسلامي لم ينشئوا في ثقافتهم جهازا للتحليل والنقد إلا ما كان ذا اتجاه تمجيدي يهدف إلى إعلاء قيمة الإسلام".
(المجتمع الإسلامي قد أدرك منذ قرن نهاية أشواط حضارته, وهو اليوم من جديد في مرحلة ما قبل الحضارة).

أما بالنسبة للفكرة والشيء  فقد نجد أن هناك صراع قائم من خلال ما كتبه ابن نبي،إذا زادت حدة الصراع وتفوق الشيء عن الأفكار ينتج لنا ظاهرتين"الإشباع والتكديس"الإشباع ينشأ في المجتمعات المتقدمة بسبب وفرة الأشياء مما أنتج مجتمعات مادية خالية من الروحانيات، وأما التكديس فيكون بسبب ندرة الأشياء كما هو حاصل في بلدان العالم المتخلّفة،وينتج الإسراف. قائلا في هذا "إن المجتمع المعدم يتفاعل مع الكلف بعالم الأشياء الذي لا يملكه,أما المجتمع المليء فانه يتفاعل مع وساوس هذا العالم"
ويضرب ابن نبي مثالاً حيّاً في عصره بالإتحاد السوفييتي والمشاكل الفكريّة التي بدأت تطرأ في الساحة الفكرية السوفييتية بعد مرور 50 عاماً من قيامها ودخولها في هذا الصراع ،وأورد مثالا أخر عن العالم المتخلف وذكر سوء التسيير في الجزائر كمثال حي يدعم وجهات نظره عن العلاقة بين الأشياء والأفكار والصراع القائم بينهما .
وأعطى الكاتب الأسباب التي ولدت هذا الصراع "إن صراع الفكرة والشيء يكون تارة من نتاج التاريخ  في اطراد الحضارة،وتارة أخرى حصيلة  مناورة سياسية .."

في صراع الفكرة والوثن  يتحدث عن اضطراب العلاقة بين الفكرة والشخص ويمثّل نموذجاً لهذا الاضطراب في أن تكون علاقة الأفكار بالأشخاص نتيجة خلل في التوازن الثقافي،  حيث أصبحت الفكرة تتمثل بشخصية بعينها دون الاهتمام بماهية الأفكار وصلاحيتها ، وتقديس الشخص عن الفكرة أنتج "الوثن",

رغم هذا التطور الحاصل حتى في زمن تأليف هذا الكتاب إلا أن تقديس الأشخاص وتأليههم والتبرك بهم وربطهم في الأذهان أنهم قديسون أعادنا للجاهلية مرة أخرى، "ففي كل مرة تختفي فيها الفكرة يظهر الوثن من جديد".

وتطرق الكاتب  لأحد أنواع الجهل الخفي يقول:"يا للأسف! ليس أقبح من الجهل حينما يتزيا بزيّ العلم وينبري للكلام,فالجهل المحدود(جهل الشعب النظيف) انه كجرح ظاهر يمكن علاجه,أما جهل العالم فهو غير قابل للشفاء لأنه اخرق,مراء,أصم,مغرور".

------------------------

اقرأ أيضا:

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي(1)

مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي(2)

المجتمع والأفكار (مشكلة عالم الأفكار في العالم الإسلامي 3)