الجيوبولتيك ..عنوان الحلم القادم

صورة أحمد درويش

مقدمة

كبيرة هي أحلام العرب ، وعديدة هي متطلبات تحقيق هذا الأحلام ، وفي الوعي العربي تصورات حول أهمية الحلم ووجوب العمل على تحقيقه ..لكنّ روافع تحقيق هذه الأحلام يبقى ضبابيا في ظل غياب عاملين رئيسين:
العامل الأول : عدم إدراك ما هي أدوات تحقيق الحلم العربي الكبير.
والعامل الثاني : الإرادة القوية التي من خلالها يتم استخدام الأدوات في تحقيق الحلم.
إنها إذا أدوات ووعي بأهميتها في المقام الأول ، وإرادة صلبة على استخدام هذه الأدوات ضمن مسار وخطة لتحقيق الحلم العربي الكبير. هذا الحلم يمكن اختصاره في كلمة هي أكثر ما تستخدم اليوم (النهضة) .. وبين نهضة ونهضة يكمن الفارق في تحديد الأدوات ورسم الخارطة الكبرى للمسار.

من هنا يسلط الدكتور جاسم سلطان مؤلف كتاب (الجغرافيا والحلم العربي القادم - جيوبولتيك-)* الضوء على أداة مهمة وأساسية، هي أداة الجيوبولتيك. هي تلك الأرض التي نسير عليها وتسير بنا ، نزعم أنها معنا لكنها قد تخذلنا إذا خاننا الإدراك بأنها ثابتة وصلبة في حين أنها تتحدث وتخاطب الأذكياء وتستجيب لنظرتهم الشفافة في النظر للأرض ومن عليها .
إنها الأداة التي رسمت شكل العالم اليوم بعد صراع طويل ونظريات فلسفية جسدتها الحروب الكبرى في العالم ...ورغم كُره العالم لهذه الأداة وما عكسته من دمار إلا أن الأقوياء ومن يستغل الفرص يعتبرها مهمة في تحقيق المكاسب والقوة السياسية لمشروعه وحلمه.

هدف الكتاب
يوضح الكاتب أهمية وضع نظرية جيوبولوتيكية للمنطقة التي تمثل أحلامنا وطموحاتنا وهذه النظرية مرهونة بشكل أساسي بفهم طبيعة العالم، وطبيعة اللعبة السياسية، وتاريخ تشكّل الوضع المعاصر وتراتيبية القوة قبل الخلوص لتصور استراتيجي للوطن العربي وممكناته.

الجغرافيا السياسية وفرعها الجيوبولتيك

للجغرافيا أقسام كثيرة والكاتب يركّز كما هو واضح من عنوان الكتاب على الجيوبولتيك والتي هي فرع من فروع علم الجغرافيا السياسية. أما عن الفرق بين الجغرافيا السياسة وفرعها الجيبولتيك، فالأولى تصف وتستنج عوامل القوة والضعف كما هو الحاضر، والجيوبولتيك تمثل ضمير الدولة وطموحها واحتياجاتها ومصالحها في المستقبل، وكيفية حمايتها والمحافظة عليها، فهي بالتالي مفاتيح السياسة القومية.

 فدولة مثل مصر يمكن توصيف نقاط قوتها وضعفها اليوم وهذا دور الجغرافيا السياسة أما رؤيتها المستقبلية وأمالها واحتياجاتها ومصالحها والتي تتعدى حدودها، فهو الدور الذي تلعبه الجيوبولتيك، إنها النظرة للمصالح القومية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
وعلى هذا الأساس فالجغرافيا السياسة ترسم شكل الحاضر، أما الجيوبولتيك فيرسم شكل المستقبل وبين إدراك الحاضر واستغلال فرص المستقبل تكمن رحلة هذا الكتاب.

 

رحلة الكتاب في  13 نقطة أساسية:

  • أما (النقطة الأولى) فهي تخبرنا أن العالم متغير باستمرار ، هذه الحقيقة البسيطة التي يجب أن تتمركز في عقل صانع القرار السياسي ، وعليها فهو يضع في حسبانه أمرين مهمين:
  • أن يحلم بالأفضل دوما.
  • أن يستعد للأسوأ دوما.

هذان المبدآن يستعرض الكاتب كيف يسيطران دوما على المشهد التاريخي، ويحذرنا أنها سنة المستقبل الأبدية ، وما ثورات اليوم إلا أحلام للأفضل لدى البعض وكوابيس سيئة لدى البعض الآخر ..فمن هو اليقظ لهما؟

 

  • أما (النقطة الثانية) والمتعلقة بنظريات العلاقات الدولية ومتخذ القرار فخلاصتها تقول:

 (من الحكمة أن نعرف كيف يفكر عالم القوة)

والمثال البارز لعالم القوة اليوم هو أمريكا ، ولفهم مدخلات القرار العالمي كيف تتم ، فمن خلال المعطيات الثلاث الرئيسية التالية يمكن إسقاط أي قرار تتخذه أمريكا حول العالم:

  1. الفرد وهو هنا الرئيس.
  2. الدولة ومؤسساتها وهي تعني ما هي المصالح الكبرى للدولة لبقائها قوية مسيطرة.
  3. المؤسسات الدولية ، هذه المؤسسات إن لم تتوافق مع قرار متخذ القرار الأمريكي فإنه ببساطه يتجاوزها بل ويتهمها بأنها معطلة للسلم العالمي وبأنها عديمة الجدوى ، والمفتاح لفهم هذه المعادلة أن المؤسسات الدولية 80 % من ميزانية الصرف عليها تأتي من أمريكا نفسها.

أما (النقطة الثالثة) والتي تتبع النقطة الثانية والمتعلقة بالفرد متخذ القرار ..فلكل صاحب قرار نظرة مبنية على نظرية من نظريات العلاقات الدولية ، ومن خلال هذه النظريات يمكننا معرفة كيف يفكر صاحب القرار؟

فهو ينظر لطبيعة البشر هل هم منطقيون يسعون لتحقيق مصالحهم ؟ أم عشوائيون لا يمكن توقع تصرفاتهم؟

وهو ينظر لطبيعة الساحة الدولية (هل هو عالم المصالح المتبادلة ؟ أم عالم الفوضى وعدم الانتظام ؟)

وهو ينظر لدور الدول (أهي اللاعب الأساس ؟ أم أن هناك مصالح أخرى كمصالح الرأسماليين والبرجوازية العالمية هي من يحركها؟)

وهو ينظر لدور المنظمات الدولية (هل هذه المنظمات لاعب أساسي أم أنها غير ذات قيمة ويمكن تجاوزها؟)

هذه النظرة لصاحب القرار نحتتها نظريات العلاقات الدولية ، والتي استعرض الكاتب مرتكزات كل نظرية على حدة ومن أبرزها (الليبرالية – الليبرالية الجديدة – الواقعية – الواقعيون الجدد – المنظور اليساري الجذري)

أما مواقف القوى الأقل حظا فهي تتمثل في أنواع معينة من السلوك فهو أما سلوك مستقل عن القوى الأكثر قوة ، أو أنه سلوك تبعية لهذه القوة الكبرى ، أو أنه سلوك تمرد تعلن فيه هذه القوى المتمردة عدم اتساقها مع الأوضاع والقوانين التي رسمتها وحددتها القوى العظمى.

 

  • (النقطة الرابعة) يخبرنا الكاتب عن معادلة دول المركز، وكيف تشكّلت عبر التاريخ ، فمن خلال:

     1. قوة العلم والمعرفة.

  1. والتفوق في الآلة العسكرية.
  2.  زراعة فكرة الإنسان الأبيض المتفوق عن من سواه .. صعدت هذه الدول إلى قمة هرم العالم لتحتكر القوة فيه.

 

  • (النقطة الخامسة) (كل حلم يسعى للسيطرة على العالم ينتهي بالتفكك والانهيار في النهاية.)

فمن خلال نموذج جنكيز خان يستعرض الكاتب مراحل تشكّل الحلم من خلال الرجل الفولاذي جنكيز خان ، فهو الذي وحّد القبائل المتناثرة تحت رايته ، ورسم طموحه ورؤيته للتوسع في صورة خيالية رسم أبعادها الجغرافية على مساحة تقدر ب 30 مليون كيلو متر مربع!

وكنتيجة طبيعة لهذا التوسع الكبير بدأت موارد الامبراطورية تُستنزف ، ودخلت في طور الهزائم العسكرية الصغيرة التي تراكمت وهدت الجسم الكبير للإمبراطورية..كما كان لاحتكاكهم بشعوب وديانات المناطق التي احتلوها أثر في تفككهم ..فقد أثروا وتأثروا ..وكان للانقسام داخل الجسم الحاكم الأثر الكبير، واختلاف المصالح الرؤى فيما بينهم لعب دوره في اضعاف نسيج الامبراطورية.

أما العبرة من قصة خان فتتجسد في تقاطع حلمه مع أحلام القوى العظمى اليوم في التمدد والتوسع وبناء قوى تسيطر على القوى الأضعف ..فتدخل في طور الحلم ثم التوسع والتمدد ثم بداية الانهيار والتفكك.

 

  • النقطة السادسة (روح الجيوبولتيك) بعيدا عن التسمية واختلاف الأكاديميين حولها ..ما الذي  يعنيه هذا العلم عمليا على الأرض من الناحية التطبيقية هو المهم ، والأهم أن نظريات الجيوبولتيك هي التي تحكم القرار السياسي لمتخذه .. فمن خلال هذا العلم صاغ

 (راتزل) نظريته القائلة أن الدولة كائن عضوي يكبر وتزداد احتياجاته باستمرار ، وأن الحدود أشبه بجلد الكائن العضوي ، والذي يجب أن تتمدد باستمرار مع نموه، وما هتلر وحراكه النازي سوا إحدى تجليات هذه النظرية!

           أما مكاندر فقد قسم العالم لثلاث مناطق رئيسية من خلال التفكير في العالم كوحدة سياسة واحدة قابلة للتحكم ولتنفيذها ما عليك سوا السيطرة على أوروبا الشرقية لتسيطر على قلب العالم ، ومن يسيطر على قلب العالم يسيطر على الجزيرة العالمية ، ومن يسيطر على الجزيرة العالمية يسيطر على العالم!

أما هامان فقد عاكس ماكندر وذهب إلى أن قوى البحر هي الأساس في السلم والحرب من قوى البر وطرح شروطه الستة التي عمل بها الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت في سياسته.

أما سبيكمان فوضّح عبر مسارين كيف يمكن ضبط حركة العالم؟

 المسار الأول من خلال صنع نظام عام لتوازن القوى كالأمم المتحدة. والثاني يقول بأن من يسيطر على الهلال الداخلي في الجزيرة العالمية يسيطر على العالم ،ومن هنا برز مفهوم أرض الحافة كأساس للسيطرة على العالم.

 

  • النقطة السابعة (كيف تشكّل العالم اقتصاديا؟)

سؤال يحمل في طياته مسار تاريخي من الأحداث العظيمة،  وكيف تم سحب البساط من تحت القوى القديمة المسيطرة على أهم الممرات التجارية؟ بداية الرحلة ولدت بفكرة البحث عن بديل للمرات الآسيوية والتي كان العرب والمسلمون يسيطرون بها على حركة التجارة ، ومن خلال اكتشاف رأس الرجاء الصالح والأمريكتين وما تحويه من كنوز ، وتطور عالم الأفكار وانتقال مركزية الاهتمام من الله للإنسان، وبروز الأفكار التحولية كالحرية والعمل في التجارة..تشكّل العالم اقتصاديا.

هو عصر جديد تتفتح آفاقه شيئا فشيئا، قوامه عالم من الأفكار لا يتوقف ، وعالم من الاكتشافات لا حدود له ، وعالم من المنتجات يجوب العالم طولا وعرضا.

المرحلة الأولى الأبرز في هذه الرحلة التاريخية سميت ب الثورة الصناعية ،هي ثورة بدأت من الزراعة مرورا بالمحرك البخاري وقدرات البناء والتصميم ، أما المرحلة الثانية فبدأت بالصلب والكيماويات والنفط وانتهت بأول طائرة تجوب في الأفاق معلنة عن أن أوروبا هي أعظم قوة منتجة ، وهدفها هو ضمان بقاء تفوقها في العالم.

هذا التفوق هو ما فرض توزيع شكل القوة في العالم ومركز كل دولة على الخارطة العالمية ، ومن هنا برزت دول القلب أو المركز والتي تمتلك اقتصاد متوازن بين مختلف القطاعات وحكومات مركزية قوية تُصنّع البضائع ولا تكتفي بإنتاج المواد الخام فقط ، وتخصص في المعلومات والتمويل ، والأسبقية في التكنولوجيا والصناعات الحديثة، والأهم استقلال في القرارت وتحصين من النفوذ الأجنبي...كل هذا يأتي على حساب دول الأطراف والتي تخضع عادة لدول المركز وللشركات العابرة للقارات لدرجة التضحية بمصالح مجتمعاتها أحيانا.

وما بين المركز والأطراف تظهر دول بينية توازن بين المركز والأطراف من جهة ، وتتحرك نحو التصنيع والتنويع الاقتصادي لديها من جهة اخرى.

أما عن التفوق العسكري ومفهوم الأمن القومي ..فالمجال العسكري هو ابن المجال الاقتصادي وهو نتيجة له وليس العكس، وبذلك  تسعى القوى الاقتصادية الكبيرة دوما للحفاظ على مكانتها الاقتصادية من خلال فرض مفهوم الأمن القومي الذي يحمي مصالحها حتى وإن تطلب ذلك الأمن الدخول في حروب أو التدخل في شأن الدول الأقل قوة منها.

 

  • النقطة الثامنة: أثر الاقتصاد على السياسة العالمية

العالم كتلة واحدة ..هكذا ينظر رجل السياسة للعالم ، وهو في مخيلته يعتبرها ساحة يزدحم فيها اللاعبون ..كرقعة الشطرنج تماما ..كل حجر يتحرك فيها يعني أن العالم بأسره سيتأثر بها.

مفردات اللعب متعددة فمن الطاقة والمياه والغذاء وصولا لتحديد مناطق الارتكاز في هذا العالم وتصنيفها لمناطق هامة وعادية وميتة ، ومن ثم تحديد حجم وقوة اللاعبين على رقعة الشطرنج فنهم قوى عظمى ومنهم القوى الإقليمية ومنهم المحلية.

أحد أهم الأمثلة الأكثر حضورا على الساحة الدولية هو موضوع النفط ..والنفط سلعة لها أبعادها التي تتجاوز الاسم، فهناك مواقع الآبار والدول التي تمر بها الأنابيب والممرات التي ستعبر منها الناقلات ، والدول التي تشتري هذه السلعة ، ومدى ترابطها مع بقية السلع الآخرى.عندما نرى الصورة كاملة يمكننا أن نتخيل بعدها معنى كلمة حماية النفط.

  • النقطة التاسعة: (مستويات دول العالم)

ينظر رجل السياسة لدول العالم بناء على مستويات متفاوتة فيما بينها ، فهو يصنفها بناء على حضورها وقوتها في العالم ، فهناك دول المبادرة ، ودول القابلية ، ودول الطموح الإقليمي ، ودول المسرح ، ودول الخمول ، ودول الحضور ...وعند النظر استراتيجيا لمختلف اللاعبين تبرز أسئلة مهمة : ما هي رؤية قياداتها وطموحاتهم ؟ ما أثر تحركها على القوى الأخرى؟ ما هي قدراتها وإمكانياتها؟ ما هو محطيها وما علاقتها به؟ وما هي احتياجاتها ومخاوفها؟

كل هذه الأسئلة تحتاج لإجابات واضحة من رجل السياسة، ومنها يستطيع فهم وإدراك أبعاد تحركات كل لاعب على الساحة الدولية.

أما على مستوى التحركات فهي تؤدي إلى واحدة من ثلاث أشياء مع الطرف الاخر ، فهو إما:

  1.  يسعى لمعادلته استراتيجيا (أي امتلاك نفس القدرة والإمكانات).
  2.  أو مشاركته استراتيجيا (التعاون بدل التصادم) .
  3.  أو السيطرة عليه استراتيجيا (من خلال كسر إرادته الوطنية المستقلة ).

 

  • النقطة العاشرة: تطبيقات الجيوبولتيك – أمريكا نموذجا –

من أبرز الأمثلة الجيوبولتيكية حضورا هو المثال الألماني ، فهتلر انطلق لاحتلال قلب العالم ، وكاد أن ينجح  لولا انكسار جيشه عند ستالينغراد... وبعدها سنجد أمريكا تسير على نفس الفكرة ..فهي وارثة الحضارة الغربية وآخر تجلياتها، ومن هنا بدأت أمريكا من خلال طريقين رئيسين السيطرة على العالم : الأولى من خلال الترتيبات العسكرية والتي تضم: (أساطيل ، قواعد عسكرية ، تسهيلات عسكرية، تحكم بشبكة الاتصالات ، الدرع الصاروخي، أحلاف عسكرية.) ، والثانية من خلال الترتيبات الغير عسكرية (الأمم المتحدة ، قوة الانتاج والمعرفة ، التحكم بالاقتصاد العالمي).

 

  • النقطة الحادية عشر: عالم ما بعد أمريكا والقوى العالمية

هناك قوى في العالم تسعى لتحسين وضعها باستمرار في مقابل القوى العظمى في العالم، فالصين مثلا تمتلك الطموح العالمي ، والسؤال لدى صانع القرار الغربي اتجاهها متى يجب أن نقلق من تزايد قوتها الناعمة ؟ فمع كل نجاح للصين تقترب من صنع معادلة التوازن الاستراتيجي من خلال اقتصادها النامي والقوي ..ومن هنا تأتي حيرة اللاعب الغربي.

أما روسيا  فتمتلك الطاقة العلمية واقتصادها ينمو باطراد وروحها القومية متوثبة وذاكرتها في الصراع مع الغرب حاضرة..وأحد أهم أهدافها قطع الطريق على أمريكا من خلال السيطرة على أسيا وذلك  بتحالفها مع الصين.

أما النمور الآسيوية (سنغفورة ، ماليزيا، كوريا الجنوبية، تايلند) فقد أصبحت نموذجا يشار إليه عاليا بسبب نموذجها التنموي، وقد تبنت هذه الدول الليبرالية الاقتصادية وتشجيع الاستثمارات الاجنبية ، واعتمدت التصنيع والتصدير للدول الغنية ،ورغم عدد من الاخفاقات لحقت بها إلا أنها استطاعت تحويلها لنجاحات بفضل منظومتها الفكرية التي تقدّس العمل والتخطيط الدقيق، وبفضل جديتها في قبول التحدي واستعداداها للمعالجة الجذرية لأي أزمة تمر بها.

ولنا أن نسأل أنفسنا هنا : هل خامة الإنسان الآسيوي في هذه الدول من ناحية مفاهيم العمل والانضباط متفوقة على نظيره العربي؟ كيف تخلصت هذه الدول من عائق البيروقراطية وتحصلت على مستوى من الشفافية سمح بتقليل الفساد والهدر؟

أما تركيا فقد دخلت من خلال حزب العدالة والتنمية لعهد جديد رسمت فيه ملامح تركيا المستقبل بقوة اقتصادية تنافسية مع كبرى الدول، أما من الناحية السياسية فقد ملئت تركيا الفراغ في المنطقة متنافسة مع ايران وإسرائيل خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين، وذلك تحت حاجة أمريكية للاعب مهم في المنطقة لإدارة المشهد العالمي...والسؤال الكبير هنا عن فرصة المشروع العربي الضائع في الالتحام بتركيا كقوة إقليمية كبرى.

أما إيران فتتأرجح اليوم بين مفهوم الدولة الحديثة والحلم الديني الكوني المتمثل بعودة المهدي ..فهي من جهة تمتلك قوة نامية إقليميا وتعلب دور رئيسي في محيطها الجغرافي..وفي نفس الوقت تسعى لخلق نقاط ارتكاز لها في دول الجوار ..والسؤال هنا هل ستقود ايدلوجية ايران الدينية الحادة دولتها النامية لذات مصير من سبقها من الدول الايدلوجية الحادة والمتصادمة مع العالم ؟

 

  • النقطة الثانية عشر: (نحو نظرية جيوبوليتيكية عربية)

الخطوط العريضة للحلم العربي يمكننا حصر أهم عناصره في:

  1. الفكر والواقع السياسي: شكلت نظريات الجيوبولتيك تصورا وبوصلة للمستقبل عند أمم الأرض، لذلك فأول ما نحتاجه اليوم هو وضع سياق جيوبولتيكي للعقل العربي وخاصة عند صناع القرار ، ولنا أن نسأل أنفسنا : هل آن الاوان لتحرير إرادتنا والتفكير في وضعنا ككتلة عالمية بدل هذا التذبذب الذي يطبع الفكر العربي السياسي حتى اللحظة؟

والحل يبدأ بتنمية الشعور بالمصير المشترك للأمة العربية ،والأهم هو وضع هذا الشعور تحت منصة التشريح وإعطاءه لغة ومعنى وحيوية جديدة تجعله لغة تواصل ومن ثم لغة تنسيق وتوجيه.

  1. التصور الجغرافي للمنطقة: علينا إدراك أن العصر الحالي لم يعد يعترف بالكيانات الصغيرة ، بل يتحرك من خلال كيانات كبرى طبيعية أو مختلفة..فعندما ننظر لحقائق الوطن العربي نجد أنه يشكل رابع أكبر الوحدات السكانية في العالم ، أما مساحته فهي تفوق مساحة قارة أوروبا ومساحة أمريكا.

ما يتمتع به الوطن العربي من موقع متميز يجعل منه موطن السفينة والجمل ، فهو يتمتع بقابلية الحركة على الأرض أو في البحار وقابلية التواصل مع البقع الاقتصادية الأهم في العالم كأسواق وكمستقبل، وفي نفس الوقت يطل الوطن العربي على أهم الممرات العالمية المعاصرة، والجسر الذي يربط اليابس الأوروبي بآسيا وإفريقيا.

والوطن العربي هو خزان الطاقة للعالم المعتمد على النفط والغاز ، وتكمن أهمية النفط كونه مصدرا للمواد الخام الأساسية لشتى فروع الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية وغيرها كثير.

والمنطقة العربية تحوي على أربعة أحواض كبرى للنفط، مع العلم أن كثير من مناطق الوطن العربي لم تُمسح بعد...كما أنها خزان الطاقة الشمسية ،ومع ذلك كله فالصناعة العربية ما زالت في مجملها صناعات استخراجية.

رأينا كيف يمتلك الوطن العربي المساحة والعمق الاستراتيجي ، والكتلة البشرية ، والطاقة، والأرض الزراعية ، والممرات الحيوية..بقي أن نعالج نقاط الضعف وبناء التصور.

  1. بوصلة التاريخ: يقدم سبيكمان وهو واضع تصورات الولايات المتحدة الجيوبولتيكة فكرة أهمية أرض الحافة وتشمل(المناطق البرية والبحرية وأرض الجزيرة العربية والعراق وإيران وأفغانستان والهند وجنوب شرق اسيا والصين وكوريا وشرقي سيبيريا ) وهو يقدمها بسبب مهم يراه وهو أن هذه المناطق شهدت في تاريخيها قيام دول قوية غزت الغرب وتوغلت في وسط جنوب أوربا ، ويقدم نموذجين أولهما الفتوح الإسلامية التي وصلت لحدود فرنسا غربا وحولت البحر الأبيض إلى بحيرة عربية، والنموذج الثاني هو الدولة العثمانية التي وصلت لشرق ووسط أوربا وبالتالي يدعو لتجنب مثل هذا السيناريو...ويبقى الحديث عن أرض الحافة أوسع من مقولة سيبكمان فهي متعلقة بالسيطرة على الجزيرة العالمية ومن ثم العالم..وهو ما يطرح علينا كعرب سؤال الموقع العربي الجيوبولتيكي وترجمته...ففهمنا للمنظور الجيوبولتيكي للمنطقة العربية يقودنا مباشرة لفهم حركة القوى المحيطة بالوطن العربي وعلاقتها بالمنطقة، وهي مناطق شكّلت عبر التاريخ عوامل جدب أو طرد فصحراء الجزيرة العربية وجبال ايران والأناضول أو آسيا الصغرى شكّلت مناطق الطرد في اتجاه بلاد مابين النهرين او العراق والشام وحين تقوى حضارة ما سرعان ما تتدفق قواتها في محيطها الحيوي للسيطرة على طرق تجارتها وبذلك تنشأ الامبراطوريات...وهنا الإشارة إلى أن أي ضعف للقوة العربية يعني تمدد النفوذ الغربي والشرقي ، لتصبح المنطقة العربية رهينة لمشاريع كبرى لتتحول لمناطق ارتكاز ودول وظيفية للاعبين الكبار.

أما لحظة ظهور الوحي وانبعاث الفكرة الجديدة فإن ما حصل هو العكس ..فقد امتد المشروع الإسلامي ليستوعب شعوبا ومناطق(جبال ايران ، مصر ، هضبة الاناضول) تحت عنوان واحد هو الاسلام ليسدوا الباب أمام قوى ما وراء البحار القادمة من أوربا.

إنه إعلان ما يمكن أن نسميه مثلث (العرب والفرس والترك) حين يجد معادلة التعاون والتنسيق تكتسب المنطقة حصانتها في وجه قوى ما وراء البحار، وحين لا يجد معادلته الصحيحة ينقلب على ذاته ويدمّرها ثم يخضع للقادمين من وراء البحار كما حدث مع الصليبيين، أو كما حدث في الغزو المغولي الكبير.

 

النقطة الثالثة عشر: نحو خارطة طريق أولية.

حين تفكّر الكتل الإقليمية (ايران وتركيا) للتمركز في عالم الغد ، وتفكر في ذلك دويلة صغيرة مثل: (اسرائيل) بملايينها الخمسة ، وحين تفكر في الأمر نفسه دول العالم كلها فمن المعيب أن نعجز نجن عن ذلك ..إن المستقبل هو ابن الاحلام الكبيرة..والأحلام الكبيرة هي بنت الارادات التي تؤمن بها وتشق لها المسار.

وضع الكاتب عناصر الخريطة وفق المخطط التالي: (الرؤية – المهمة – التحديات – الأهداف الكبرى والمرحلية – السياسات- الحركة والتنفيذ – آليات التقويم)

أما عن الرؤية فخلاصتها تقول: (عن ضرورة استعادة المنطقة العربية والمشكّلة من القلب والجناحان والبقة لاستقلالها، وترتيب العلاقات مع أضلاع المثلث الإستراتيجي أي ايران وتركيا، لتشكيل كيان جيوبولتيكي قادر على مواجهة ضغوط القوى الكبرى واستئثارها بالقرار في المنطقة)

أما المهمة فأول ما يلزم عمله هو بناء النموذج الذاتي القطري للحلم العربي لعمل عمله في شحن المخزون العاطفي والعقلي والروحي لبقية المنظومات العربية ..وهذا النموذج ينبغي أن يشمل المواصفات التي تعبر عن (روح دافعة لقبول التحدي الحضاري ، وعلاقة صحيحة بالعلم انتاجا وبحثا وتشبيكا مع آليات السوق واحتياجاته، وسلامة النظم وقدرتها على مواكبة العصر وتحقيق مبادئ العدل والمساواة والكرامة الإنسانية وأخيرا الاتجاه الجاد لحماية مكتسبات الوطن )

أما التحديات التي تواجه صانع القرار العربي فتكمن في : الوعي بالحاجة للمشروع، والإرادة التي تعبر عن شعور نام بقدرات الذات في مقابل الهدف المنشود، ورؤية المسار بين الواقع والمأمول عند التخطيط، وتحدي السير في المسار الذي هو الاختبار الحقيقي للإرادة الوطنية ، والثبات على الطريق الذي يحتاج لفن المناورة حتى يتم تحقيق المشروع.

حين يبدأ المشروع من قُطر معين –دولة المنشأ – حيث تولد الفكرة باعتبارها نقطة الارتكاز للحلم العربي الكبير ، وتكون نقطة الارتكاز قادرة على توفير الرعاية للمشروع الجيوبولتيكي.عندها علينا أن نتوقف أمام أهم التحديات التي تواجه المشروع ، وهي أربعة تحديات كبرى:

  • تحدي الحامل المباشر للمشروع : هذا التحدي يحتاج لصاحب فكر استراتيجي وللطموح الكبير ليبدأ بمعالجة جملة التحديات المباشرة التي تواجهه وتشمل (تحدي المخيال السياسي ، تحدي النظام السياسي، تحديات النسيج الاجتماعي، تحديات التنمية العادلة، التحدي المعرفي والتقني، تحدي الأمن القومي )
  • تحدي المحيط المحلي بتكويناته واشكالياته.
  • تحدي المحيط الاقليمي بتعقيداته.
  • تحدي المحيط العالمي.
  • تحدي القضية الفلسطينية.

وفي مقابل التحديات سنجد أنفسنا أمام فرص كبرى يتمتع بها الوطن العربي مثل : الأرض والعمق الاستراتيجي والكثافة السكانية والتنوع في مناخه ..ومن هنا يمكن القول بأن حلم التحول ممكن ..وعندما ننظر لأهم الفرص سنجد:

  • مفهوم الدولة الوطنية القانوني والذي يعاكس مفهوم الحدود الشفافة ..وهو هامش مهم للحركة والفعل المستقل، ودور القيادة هنا أن تملء هذا الهامش الممكن قبل أن تحتج على الجزء غير الممكن وإلا ستكون اختارت الفشل مبكرا وفرضته على مجتمعها.
  • وجود النماذج التنموية في محيطه والتي تمثل تمهيدا لطريق العمل والتفكير للدخول في التنافسية العالمية.
  • امتلاك الدول الاسلامية لمفردات التقدم العلمي ، حيث خاضت باكستان وماليزيا وتركيا وإيران واندونيسيا وغيرهم التجربة في مجالات صعبة مثلا الصناعات الثقيلة ، والتجارب النووية ، مرورا بخبرة ماليزيا وتركيا في الصناعات والمعلوماتية ، والأهم من هذا كله أن 90% من المعارف الضرورية للتقدم هي معارف مشاعة لا تحتاج إلا إلى إرادة ، والتصنيع اليوم لا يبدأ من الصفر بل من حيث انتهى الناس من خلال ما يعرف ب الهندسة العكسية .

أما السياسات في الخارطة الأولية للحلم العربي الجيوبولتيكي فتعمل على وضع القيود التي تضمن سلامة الفعل لتحقيق النجاح والوصول الى الهدف بأقل تكلفة وفي أقصر زمن وبأفضل المواصفات.

أما الحركة والتنفيذ فليس المهم فيها الخطة بقدر البشر القادرين على تحويلها لواقع ، فالمعادلة بسيطة : خطة جيدة ومنفذين أقوياء ..وسريعا ما ستؤتي الخطة ثمارها...وتجارب الأمم الكثيرة تعطي الخبرة وتقليل الأخطاء.

وأخيرا يأتي دور آليات التقويم والمراجعة والذي هو جوهر تقدم الأمم في سباق تحقيق الجودة والتحسين المستمر.

 

خاتمة:

حين ندرك خطورة أداة الجيوبوليتيك وأثرها الكبير على مصائر الأمم..وندرك درجة غيابها عن العقل العربي..وبعدها عن ساحات التفكير في المنطقة ..وندرك حجم الخطر الذي نتعرض له ..فإن كان العالم متغيرا تزول فيه امبراطوريات وتُمسح دول من على الخرائط وتفتت أوطان، وكل ذلك بفعل حركة التدافع الكوني.. فحري بنا أن نتوقف للنظر لمستقبل أوطاننا ونستجمع عزيمتنا لصناعة منظورنا الجيوبوليتيكي والذي يعني تصورنا لمصالحنا وأمننا واستقرارنا في عالم غير مستقر.

يمثل هذا الكتاب الحلقة الأولى لفهم أداة الجيوبولتيك ..والناظر للمنطقة العربية والعالم من حولها سيرى نماذج كثيرة لتطبيقات تمثل اليوم تحديات حقيقية أمام مستقبل المنطقة .

إن الكتاب يقدم أبجديات الجيوبوليتيك للقارئ الجديد لعلنا نستحث الهمم لمزيد من النقاش حول تمركزنا في عالم الغد.

------------------------------------------

* صدر الكتاب عن دار تمكين للأبحاث والنشر ، وهو الكتاب الثامن ضمن سلسلة أدوات القادة.

 

التعليقات

صورة Sara Khamis

مفيش منه نسخه الكترونيه متاحه ؟