الإسلاميون والمرحلة القادمة..في حوار مع جاسم سلطان

صورة عبد الرحمن المراكبي

بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة في مصر وتونس، ما هو واجب المرحلة بالنسبة للتيار الإسلامي؟
د. جاسم:

أنا أعتقد أن التيار الإسلامي أمام مهمة كبيرة جدًّا، فهذه الأحداث فاجأته ولم يكن جاهزًا لهذه المرحلة، وفجأةً بعد التخفي والخوف والقلق وسياسة المحافظة على الدار، وجَد نفسه عليه أن يقود دولاً بها 80 مليونًا و 90 مليونًا، وبها مشاقٌّ لا حصر لها، وبالتالي يحتاج أن يسير على مسارَين: فمَن همْ في السُّلطة - أسأل الله أن يعينهم - سُوِّدوا قبل التعلُّم، والأصل أن يتعلموا قبل أن يسودوا، وربما سيَمرون بمرحلة تعلُّم شديدة، وهذا يعتمد على كفاءة الخبراء، أما بقية التيار الإسلامي، فيحتاج إلى تحولات جذرية كبرى؛ حتى يستطيع أن يدرك مبادئ الحرية ومبادئ التعايش مع الآخَر، وأنا أعتقد أن التيار الإسلامي سيُعاني في المرحلة المقبلة بين الناس الذين يقتربون من واقع الحياة وبين الناس البعيدين عن واقع الحياة؛ البعيد عن واقع الحياة سيَظل يُردِّد المقولات القديمة، والذي في واقع الحياة يعلم أن هذه المقولات لا تصلح أن تسير في الحياة، والكل مهتم بالدِّين، لكن الكل لا يجد حلاًّ ليَربط بين هذه وتلك، فالتيار الإسلامي سيَمرُّ بمرحلة تعلُّم صعبة خلال الفترة القادمة.

وما تقييمك لأداء الإسلاميين في هذه الفترة؟
د. جاسم:

أنا أرى أن الإسلاميين قطعوا شوطًا كبيرًا جدًّا؛ يعنى إذا لاحظناهم مِن قبل هذه التحوُّلات ومقولاتهم الأساسية أنهم لا يُريدون أن يكونوا كل شيء والآخَرون يَخرجون من اللعبة، وهم يتكلمون الآن عن التعايش داخل المجتمع، وهذه قفزة كبيرة جدًّا، والقَبول بلعبة الديمقراطية والدخول في الانتخابات هي قفزة كبيرة أيضًا لم يُحَضَّر لها، هي تمَّت بفعل الواقع الذي سار، كذلك العلاقة مع العالم؛ فأنْ تذهبَ إلى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، وتَشرَح لهم واقع الإسلاميين - هذا شيء جديد تمامًا، ولم يُحضَّر له لا فكريًّا ولا منهجيًّا، وسيحدث أيضًا ذاك التصدُّع داخل المنظومات القديمة، والاختلاف بينها وبين المنظومات الجديدة التي تنشأ؛ وموضوع القَبول بالمُختلِف دينًا، وأن له وضعًا مساويًا لهم في الحياة، هذه أيضًا قفزة كبيرة جدًّا لم يُحضَّر لها فكريًّا؛ ولكنها أيضًا حدثت من الواقع الموجود، والإحساس بأن المجتمع أكبر من الجماعات الإسلامية؛ فالجماعات الإسلامية كانت تَعتقد أنها بطريقةٍ ما هي المجتمع، ثم اكتشفت أن المجتمع كبير جدًّا، وقابلٌ أن يَرفضها أو يتقبَّلها، قد ينتخبهم اليوم ويقول لهم غدًا: لا، هذه التغيُّرات أعتقد من الممكن أن تُهدِّد التيار الإسلامي بشكل كبير جدًّا مثل بقية القوى حتى اليساريين والقوميين تنطبق عليهم نفس المعادلات، فهم لم يَألفوا أن يتعايَشوا في جو الحرية، وأنه من الممكن أن يفوز عليهم إسلاميٌّ في الانتخابات.

الخوف من الإسلاميين سمة بارزة في كتابات ولقاءات الليبراليين والعلمانيين، لماذا هذا الخوف من وجهة نظرك، وهل نجاح الإسلاميين طريق إلى الاستبداد الديني كما يزعمون؟
د. جاسم:

ليس هناك تلازُمٌ بين الحالتين، الحكم على الإسلاميين تمَّ نتيجة كمية الكتابات الإسلامية التي كانت تتمُّ في الفضاءات المُغلَقة، والتي كانت تُعيد إنتاج القرن الخامس الهِجري وأيام الفتن الصليبية، ولو أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية أو الغزالي أو النووي عصرنا، لكان لهم اجتهاد ربما صادِم لنا في هذه اللحظة التاريخية؛ لأن تغيُّر العصور وتغيُّر الأزمنة تؤدي إلى تغيُّر الاجتهاد، فمعظم كتُب ابن القيم كانت عن علاقة الواقع بالأحكام الشرعية، وهذا لم يكن جزءًا من الدراسة الحقيقية للتيار الإسلامي، فالتيار الإسلامي بشكل عام يتعلم مثل بقية التيارات، وعنده الفرصة أن يُثبت أن هذه المقولات خاطئة، وهذه التخوُّفات تُعتبَر شكوكًا بالنسبة للآخَرين، فإما أن تتعدَّد، وإما أن يُثبت التيار الإسلامي أنه يَمتلك مِن الخيرية والرشْد للرد على هذه المقولات، وأنه لا يُخطئ، وأنا أعتقد - إن شاء الله - أن التيار الإسلامي سيَنجح في العبور بالأمَّة، وستُصبح التجربة الإسلامية عبرةً للآخَرين، حتى لو أن ليبراليًّا أو أن علمانيًّا أو أي أحد جاء للسلطة سيُصبِح المعيار ما فعله الإسلاميون، وأرجو مِن الله أن يقدِّموا نموذجًا للحرية والمساواة وتقبُّل الآخر، وبالتالي نَعبر هذا الامتحان.
 فالناس كانت تظنُّ مِن هذه الكتابات القديمة أننا سنمارس هذا الاستبداد، فإذا لم نمارس الاستبداد، فالناس سيقولون: إن هذا كلام مُدَّعى على الإسلاميين، وسيَنسَون هذه الكتابات.

كيف تقيِّم الخطاب الإسلامي المعاصر، وهل ترى أنَّ التيار الإسلامي بحاجة إلى التجديد أو تغيير بعض الأفكار؟
د. جاسم:

ليس هناك خطاب إسلامي واحد، ولكن هناك خطابات إسلامية؛ يَعني الفارق مثلاً ما بين الشيخ راشد الغنوشي وبين أجزاء مِن تيار الإخوان فارق فلَكي، فهما في نفس التنظيم وفي منظومة فكرية واحدة؛ ولكن الفارق بينهم كبير جدًّا، فما بالك إذا تكلمنا عن التيار الإخواني والسلفي والجهادي والتبليغي ومَن ليس منتميًا إلى تيار معيَّن وكان من الإسلاميين؟ فطيف الإسلام طيفٌ واسع، وهذا شيء طبيعي جدًّا؛ لاختلاف العقول واختلاف الشهادات؛ السؤال كبير جدًّا، ولكن أي هذه الخطابات هو الأكثر ملاءمة للعصر، الذي سيَعبر بالأمة للتقدُّم، ويُقلِّل عليها تكلفة العبور؟
 نحن في مائدة كثيرة الوجبات، منها البارد جدًّا وليس له نَكهَة، ومنها الساخن جدًّا غير القابل للبلع المَليء بالفلفل والشطة، وهناك وجبات وتيارات أخرى، لكن تحت هذا كله هناك مجموعة أفكار غير مُناسِبة للعبور، وهذه تحتاج إلى تحليل فكري من أهل العلم؛ لأنها مُتعلِّقة بالعلاقة بالحياة، والعلاقة بالبشر، والعلاقة مع الآخَر غير المسلم، هذه الأفكار ما زالت تُحيط بنا، وهي عبء على تقدُّم المسلمين، نسأل الله أن يَنبري لها أهل العلم ويُعيدوا إنتاج هذه الطريقة بعد هذه المعارف الكبيرة والتحوُّلات.

وكيف ترى خارطة الإسلاميين في العالم العربي قبل الثورات وبعدها؟
د. جاسم:

الجانب الممتاز جدًّا في الحدث أن اكتشاف لحظة التقدُّم لم تتمَّ على أيدي الإسلاميين، ولكن تمت على يد الشعب كله والشباب، فالحرية تمت على يد هؤلاء، وبالتالي استفاد الإسلاميون؛ لأنهم أكثر تنظيمًا من هؤلاء الناس، وهذا جعل المعادلة متوازنة، فإذا كنتَ أكثر تنظيمًا واستفادةً مِن الحدث، فاجعل لك فضلاً؛ لتقود المجتمعات في الخير، وها نحن سجَّلنا لكم لحظة تاريخية لم تكونوا تحلمون بها، ومعلوم أنه في بعض البلاد لم يكن يحلم أحسن واحد أن يُقابِل نقيبًا في الشرطة، اليوم أصبحت الحياة مفتوحة ووصل الإسلاميون للبرلمان، وهي إن صح التعبير جزء مِن هذا الاختبار: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7]، فهل عملُنا سيكون أحسن من الطغاة السابقين؟ هل عملنا سيكون لنفع الإنسان بل نفع الإنسانية كلها وليس المسلمين فقط؟ إذا نجحنا في هذا الاختبار سيقول الناس: فعلاً الإسلام يصلح في أي زمان ومكان.

كان مالك بن نبي يرى أن أكبر خطر تعرَّض له مشروع النهضة هو أنه صودر لصالح الفِكرة السياسية، على ضوء ذلك كيف ترى مشروع النهضة في مصر والذي قام به حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان، وهل لكم علاقة بهذا المشروع؟
د. جاسم:

في الحقيقة ما لنا علاقة إلا علاقة المسلم العادي بكل المشروع الإسلامي، وبفضل الله - عز وجل - اللحظة التاريخية خلَّفت علاقات حميمة ما بين كثير من العقلاء داخل التيارات كالسلفيين والإخوان وغيرهم، ولا شك أنه يظل داخل هذه التيارات مِن هو مُحتقن ويُحارب التيارات الأخرى، ولكنْ كثير من الأحبَّة الموجودين هم عبارة عن خليط مِن الناس الموجودين.

 أما عن مقدِّمة سؤالك، فتعالَ لنعرف ماذا حدث، التيار الإسلامي منذ بداية القرن الماضي ومِن بعد جهود محمد عبده في التعليم، انخرط التيار الإسلامي في فضاء السياسة؛ لمُحاوَلة الوصول للسلطة باعتبار أن العقَبة أمام المشروع الإسلامي هو فقط السُّلطة، ونسي أن الذي يقف أمام المشروع الإسلامي هو نظام الأفكار والسلوك، وأن جزءًا من هذه المشكلة هو النظام السياسي، وليس كل النظام السياسي، وكان مِن المفروض أن تفكيك نظام الأفكار ونظام السلوك يَسيرُ جنبًا إلى جنب مع تفكيك النظام السياسي إن صحَّ التعبير، وإعادة إنتاجه بحيث يُصبِح أكثر حرية وعدالة ومساواة، لكن التيار الإسلامي نتيجة الكثير مِن العوامل التي كانت موجودة - وأخطرها الضغوط الموجودة على العالم الإسلامي - أصبح تيارًا غامضًا، ويَعتقِد أن الحل في السياسة، واتجه كليًّا إليها.

وها نحن اليومَ نرى الواجبات التي لم نَفعلْها - وهي تحرير الفضاء الثقافي مِن الأفكار المُعيقة - قد بدأت تخرج الآن، وبمتابعة الأخبار بتونس نرى أنه تمَّ ضرب الحاضرين في أحد المؤتمرات بالنار؛ نتيجة وجود جزء من التيار الإسلامي وعْيُه أن تبليغ الدعوة أن تَحمل عصًا وتدخل على الناس وتَضرِب فيهم، وهو لا يرى أنه يُسيء للإسلام وللمسلمين، وأنه يدمِّر الصورة الحضارية للمجتمع الذي يعيش فيه، وهذه أفكار قاتلة لم يتمَّ التعامل معها من قبل، وهذا كله يعتبر امتحانًا مؤجَّلاً لم يخضْه الإسلاميون ولم يَدرسوا له، وهو الآن يتفجَّر في الفضاءات ويُنشئ تيارات عنْف.

هذا كله عبارة عن أفكار لم يعالجها الإسلاميون بسبب انشغالاتهم في الفضاءات السياسية، وأنا واحد من الناس أعتقد أن كل امتحان أجَّلْناه يظهر لنا في شكل أسئلة في المرحلة المقبلة، وبالتالي لا بدَّ أن يسير الأمر في اتجاهين، السياسة مهمَّة والحكم مُهمٌّ، وتدبير شؤون المجتمع مُهمٌّ جدًّا، والأهم أن يصبح المجتمع صالحًا في نظام الأفكار الحاكمة ونظام السلوك الحضاري في المجتمع، يجب أن يكون جزءًا من الخطاب الإسلامي، وأن ننتهي من مرحلة الإسلام الغامض إلى مرحلة الإسلام الموجود الذي يَقيس الأمور ويحسبها، وأنا أعتقد أن هذا واضح في قمة الهرم الإسلامي عند الفاهمين للسياسة؛ فعلامات الرشْد تظهَر؛ لكنها ليست عميقة.

عفوًا أستاذنا، ولكن هناك بعض التيارات لا علاقة لها بالعمل السياسي؛ كالجمعية الشرعية، وأنصار السنة، والتبليغ والدعوة، هذه التيارات اختطَّت لنفسها ألا تعمل بالسياسة، وأن تقوم بواجب الدعوة والإرشاد.
د. جاسم:

هذه الجماعات وجودها مُهمٌّ جدًّا في هذه المرحلة القادمة؛ للمحافظة على المجتمعات، وسيكون لها دور كبير جدًّا، وأيضًا ستَحدُث عندها تحولات بأنماط العمل وأشكال العمل والحياة العمَلية؛ لكن نصيحتي لهذه الجماعات أنهم ما دام قد وُجد مَن يقوم عنهم بالأمور السياسية، فليَفرغوا لمُهمَّتِهم الأساسية، وهي إصلاح عالَم الأفكار وعالم الأخلاق وعالم السلوك، لكن هم أيضًا يَحتاجون إلى تطوُّرات أخرى في الفِكر، عليهم أن يَقوموا بها.

 وماذا إذًا عن تجربتكم مع تنظيم الإخوان المسلمين؟
د. جاسم:

تجربة تنظيم الإخوان المسلمين في قطر تجربة تقليدية تمامًا، تجمُّع شبابي مثل كل التجمعات الشبابية التي بدأت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، بالنسبة للتجربة الخاصة بنا - وركِّز على كلمة الخاصة - وجدْنا أن الدولة لا تحتاج إلى هذا النمط من التنظيم؛ لأن هذه المسألة - إن صحَّ التعبير - تَنطبِق عليها الأحكام الشرعية، إما أن الشيء واجب أو جائز أو محرَّم أو مُستحبٌّ أو مكروه؛ وفي الحالة التي كنا فيها وجدنا أنه لا داعي لوجود التنظيم، أو أن المجتمع لا يَحتاج لهذا النمط، وهذا أمر غير معمَّم في كل المجتمعات؛ فكل مجتمع له ظروفه الخاصة.

في اعتقادي أننا نحتاج اليوم في التنظيمات القائمة والموجودة أن يَخلقوا فضاءً فكريًّا رحبًا لكل الناس، فعمليات الخندق الضيِّق لم تعدْ مناسِبة، وإذا كانت جائزةً في مرحلة من المراحل، فهي في هذه المرحلة عبْء على الأمة، وبالتالي لن تحدث عملية انفتاح فكري وتقبُّل المسلمين كمسلمين، والتعاطي معهم باعتبارهم إما أنهم أناس صالحون أو أنهم مشروع صلاح؛ فالفارق بين شخص وشخص هو عبارة عن فارق زمن وليس فارقًا نَوعيًّا، هناك شخص بلغَتْه لحظة التغيُّر فتغير للأحسن، وآخَر لم يَحدث له ذلك.

السلفية، الإخوان، أنصار السنة، التبليغ والدعوة، كيف ترى هذه المسميات؟
د. جاسم:

في تقديري أن أفضل مُسمى هو الذي سماه ربُّ العزة، ولذلك ربُّ العزة لما تكلم عن المسلمين عبر التاريخ قال: ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ [البقرة: 62] فهو داخل في مُسمى المسلمين، ولكن حدثَت هناك ظروف معيَّنة دفعَت الناس للتخندُق تحت مسمى الإسلاميِّين، وبعدها تطوَّر الأمر فظهر إسلاميُّون سلفيُّون وإسلاميُّون تبليغيون وهكذا، وأيضًا داخل هؤلاء الإسلاميِّين تجد المتساهل والمُتشدِّد، وهكذا.
أنا أجد أن كل هذا حلُّه الأساسي هو أن يَحدث وعْي أن نكون مسلمين لله - عز وجل - بمعنى الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، هي درجة كافية للاجتهاد، بعد ذلك هناك الاجتهادات الخاصة، وبالتالي لا ميزة لأحد إلا بخدمة المسلمين، ولو خدَم شخصٌ الإسلاميِّين لا يستعلي عليهم بأنهم إسلاميُّون وهو لا، هي ليست درجتَين، إنما نحن مسلمون نتعاون في الخير مع البشرية كلها، الناس بالنسبة لنا واحد، إما أخٌ لنا في الدِّين أو أخ لنا في الإنسانية، ونتعاطى معهم على ذلك.

ثقافة التشدُّد والعنف الموجودة في بعض التيارات الإسلامية، كيف ترى هذه الظاهرة وما الحل لمواجهتها؟
د. جاسم:

هي عبارة عن طبيعة بشرية تجد لها ذريعةً في الدِّين، فهناك شخص عنيد وحادٌّ بطبعه، وعندما يجد ستارًا دينيًّا يرى أن زيادة الخير خيرَان، فيَلوي النصوص على هواه، وبالتالي مثلاً يقرأ عشرة أشخاص كتُب سيد قطب ويفهمونها بأفهام مختلفة؛ وذلك لاختلاف البيئة النفسية لكل إنسان، فهو يُسقِط قناعاته على النص الموجود، فيَخرج واحد تكفيري، وآخَر عالم ومفكِّر وباحث، ويدعو للعدالة والإنسانية وهو قرأ نفس الكتاب، أنا أعتقد أن بيئة التشدُّد هي عبارة عن حالة غضبٍ شديدة جدًّا في أمور كثيرة، وجدت ستارًا لها في كل الأديان في التديُّن؛ ففي الهندوس ستجد تيارًا كبيرًا جدًّا مسالمًا، ولكن ستجد أشخاصًا يَستخدمون العنف، وفي البوذية أيضًا - مع أنها دعوة سلام شامل في كل الأشياء - إلا أنك ستجد أيضًا أشخاصًا يتجهون إلى الدعوة بالعنف؛ لأن الناس تُسقط أهواءها على النصوص.

أنا أعتقد أن هذه الظاهرة ستَظلُّ باقية، لكن واجب المجتمعات التضييق عليها، والحد مِن انتشارها؛ لأنها ظاهرة عنْف غير مبرَّرة في الشريعة الإسلامية، أو في إطار المذاهب الإنسانية بشكل عام، لكن لا يُمكن إزالتها؛ لأنها جزء من المجتمع.

هل ترى من الواجب على التيار الإسلامي نفسِه أن يُحاور هؤلاء ويُناظِرهم؟
د. جاسم:

نعم؛ هو من أكثر الواجبات، وهذا يتمُّ مِن خلال الخطوات التالية:

أولاً: جمع النصوص وتنسيقها؛ بحيث لا تبدو مُتضارِبة، فيجد فيها المتشدِّد ذريعةً لمدخَل مِن مداخله.

ثانيًا: النصوص التاريخية التي أنتجها الفقهاء وشكَّلت ذرائع لهؤلاء الناس، ولم يُراعوا الظرف الذي نشأت فيه، أيضًا تحتاج إلى مراجعة ومتابَعة وتفتيت؛ بحيث تعود إلى طبيعتها.

ثالثًا: تحصين الناس في مرحلة مُبكِّرة؛ لأنه لا يُمكننا منع الناس مِن القراءة، فنقوم بتحصينه حتى لو اطلع على هذه الكتب يكون عنده مناعة، هذا طبعًا واجب التيارات والعلماء، فلا نكتفي بإدانة الظاهرة؛ ولكن نحاوِل أن نجد العلاج الجذري للأسُس التي تُعيد إنتاجها.

واقع المسلمين اليوم يُنبئ عن قدر كبير مِن التفرُّق والتشرذُم؛ بسبب الاختلاف حول بعض القضايا، ألا يؤدي هذا الاختلاف إلى إعاقة النهضة؟
د. جاسم:

لا شك أنه كلما زادت الفجوة بين الناس، وأصبح كل واحد يسير برأسه، قلَّت الفُرصة لنهضة المجتمعات؛ لأن النهضة عبارة عن تعاوُن أغلب المجتمع للعبور بالمجتمع إلى برِّ الأمان، وداخل هذا العبورِ تحتاج إلى تنازُلات كبرى؛ بل ومريرة أحيانًا، فالرسول - عليه الصلاة والسلام - أعلمه ربُّه بالمنافقين في المدينة، لكنه لم يتَّخذ إجراءً ضدَّهم، ولم يُسمِّهم للناس، وهؤلاء لم يكن عندهم نفاق سلوكي، كان عندهم نِفاق اعتقادي، وكانوا يُشكِّلون خطرًا على المجتمع المسلم؛ لأنهم يتعاونون مع الأعداء، فهذه التسويات لضبط النسيج الاجتماعي وعدم تفجيره، لا تحتاج فقط لتعليم الكِتاب، ولكن تحتاج لتعليم الكتاب والحكمة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- جاء ليُعلمنا الكتاب والحكمة، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه؛ حتى لا يكون العلاج أكثر ضررًا مِن النتيجة.

في ليبيا، ذهب البعض وهدَموا الأضرحة وكانت النتيجة كارثية: 12 قتيلاً، مِن أجل شخص ميِّت قتلْتَ 12 مسلمًا، وفتحْتَ جبهةً على دولة ناشئة، كان الأولى أن تَنتظر وتُصلح ما في عقول الناس؛ حتى يَصلح سلوكهم، لكنك سارعت وهدمْت القُبَّة، وهم سيُقيمون قبَّة غيرها، وتُصبح المحصلة أنك لم تفعل شيئًا، بل أسأت؛ هذا اللاوعي في النسيج الاجتماعي والبِنية الاجتماعية المعاصرة، يجعل العلاجات أحيانًا أشدَّ خطرًا مِن الداء نفسه، فالداء قد يكون بسيطًا؛ لكن العلاج هو الذي يَقتُل المريض ويَقتُل المجتمع معه.
﴿ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [آل عمران: 164] فالكتاب سهْل، وحفْظ النصوص سهل، أما الحكمة، فهي أن تضع النصوص في مكانها وفي زمانها، وعند الأشخاص المناسبين لها، هذا الأمر الأصعب، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدَّم قُدوات عدَّة؛ ((يا عائشة، لولا أن قومك حديثُو عهد بجاهلية، لنقضتُ هذا البيت وأقمته على قواعد إبراهيم))، ((يا عائشة، متى عرفتِني فاجرًا لعّانًا؟!))، وكان المنافقون يأتونه فيَتبسم لهم ويجلسون عنده ويتحدَّثون، وكذلك اليهود؛ كان مِن الممكن أن يقول: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ﴾ [التوبة: 123] ويضرب أعناقهم.
إن عدم وضع الشيء في موضعه هو أبو الأمراض الشديدة عندنا؛ لأن التعليم الديني يُحسن تحفيظ الناس الأشياء؛ لكن لا نقول لهم الحِكمة، كأن تعطي إنسانًا سلاحًا وفيه نيشان مضبوط وقنابل لا مثيل لها ورصاصة تَخرم الأستار، ولا تقول له كيف يستخدمه، وما الحِكمة من استخدامه، ومتى لا نستخدمه، وفي أيِّ ظرف يكون ضرره أكبر مِن نفعه، هذا يحدث مع النصوص الدينيَّة عندما نُعلِّمها.

وكيف السبيل إلى تأليف القلوب، ورأب الصدع، والقضاء على التعصُّب؟
د. جاسم:
ليس هناك سوى سبيلَين:

♦ إصلاح العقل.

♦ إصلاح الوجدان.
وهذان السبيلان لا يشتغلان إلا إذا وُجد النظام الرادع، فهناك مَن يتَّعظ بالعقل والحكمة، وهناك من يتَّعظ بالسيف.
هناك مشكلة في التفكير؛ فوجدان الرحمة لم يتخلَّق في نفوس البعض، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 1]، ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] لم تتخلَّق في النفوس، ضاقت على الإنسانية فصارت للمسلمين، ثم ضاقَت عن المسلمين وأصبحَت لبعض المسلمين، ثم ضاقَت عن بعض المسلمين وأصبحَت لحزب وجماعة، ثم ضاقَت عن الحزب والجماعة فأصبحَت لمجموعة خاصة داخل الحزب والجماعة؛ هذا التراجُع في وجدان الرحمة يحتاج إلى إعادة إنتاج، فابتداء القرآن بـ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وانتهاؤه بـ﴿ ربِّ الناس ﴾ ليس قضية عبثيَّة، وهذه السعة الوجدانية للإنسان المسلم لم نخلُقْها عبر التربية والسلوك، فيوجد عندنا الإنسان العنيف أكثر مِن الإنسان الرحيم، والإنسان المُنتقِم قبل الإنسان الرحوم، هذه مشكلة كبرى في الثقافة الإسلامية تَشلُّ فاعلية الإسلام في الانتشار؛ لأن: ﴿ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ تعني أن رحمته تسع الجميع: الكافر والمسلم، والحجر والشجر، أن يَعيش الكل في ظل رحمة الله غير مهدَّد وآمِن؛ أما "نِقمة للعالَمين"، فهو يَضيق حتى عن صاحبه، ولو لم يجد أحدًا يشتمه لشتَم نفسه.
لم يُخلق وجدان المسلم الرحوم، لا في المدرسة ولا في البيت؛ انظر مثلاً إلى كلب ضال والأولاد يَجرون وراءه لكي يَضربوه بالحجارة، ستَعرف كيف خلَقْنا علاقة الإنسان المسلم بالحيوان، انظر إلى أطفال يَقطعون شجرة أو يَقطفون ثمارها ويرمونها في الأرض أو يقذفونها بالحجارة، هل هذه السلوكيات تُعبِّر عن وجدانيات لعلاقة الإنسان بالكائنات مِن حوله، هل يُريد أن يتعرَّف عليها، هل يعرف أنها نعمة وفضل مِن الله - عز وجل - وأنها خُلقت لسبب وخُلقت لنفعه، أو هي أشياء موجودة وهو لا علاقة له بها؟
ليس عبثًا أن تُروى في السيرة قصة الكلب الذي دخلَت به امرأة بَغيٌّ الجنة، وقصة القطة التي دخلت امرأة عابدة بها النار؛ لأن هذا الوجدان الرحوم هو جزء أساسي من صفة هذا الرسول، ومِن صفات رب العالمين - سبحانه - فالرسول رحمةٌ للعالَمين، ورب العباد هو الرحمن الرحيم؛ فلا بدَّ للإنسان المسلم أن يكون رحومًا.
انظر مثلاً إلى صفات مِن التشدُّد ضد المسلم ناهيك عن الكافر، يُرمى بعبارات من السباب: "فاسق، مبتدع، كافر، ضال" في قضايا خلافية لا تَستحِق هذا النوع مِن العبارات، اختلف فيها من سبَق ومَن سيَلحق، لكن هذا كله لافتقاد وجدان الرحمة وتخلُّق الإنسان بالرحمة.

الشباب هم وقود النهضة، وبفضل الله -تعالى- هناك الكثير من الإبداعات الشابة في العالم العربي، كيف تتعاملون مع الشباب، وهل هناك مدارس أو معاهد أكاديمية تتبنى هؤلاء الشباب وتُوسِّع مِن مداركهم؟

د. جاسم:

الآن - ما شاء الله - الاهتمام بالشباب كبير، ومِن ناحيتنا نشتغل بفلسفة "التمكين"؛ فالناس في المجتمعات العربية تحتاج إلى شيئَين:

الأمر الأول: إصلاح الأفكار التأسيسيَّة، نظرة الإنسان للسياسة والاقتصاد والاجتماع والدِّين والعلاقات الأسريَّة؛ الأفكار التأسيسيَّة التي تقوم عليها المجتمعات عندنا بها خلَل كبير؛ فنحتاج أن نُعيد إصلاحها.

الأمر الثاني: أن يُمكَّن الشباب مِن شؤون الحياة من خلال تدريبهم وإعدادهم وصقل مهاراتهم؛ حتى يقوموا بالمهام الموكلة إليهم في حياتهم.
ونحن في المشروع الذي نعمل به نساهم في إصلاح عالم الأفكار، ونُدرِّب الدعاة والكتاب والمُفكِّرين؛ محاوَلةً منا للإسهام مع الحكومات لإحداث نهضة حقيقيَّة؛ فوظيفة المجتمع المدني بشكل عام أن يُساهم في تمكين الناس، ولذلك نحن نتكلَّم عن ما نُسميه التمكين وليس السيطرة؛ لذا يأتينا الناس مِن كل أطياف المجتمع يتدرَّبون ويَعودون إلى مناطقهم التي يعيشون فيها يَنشرون هذه الأفكار، وكما ذكرتُ في بداية حديثي أن للجنة أبوابًا مُتعدِّدة؛ ((اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة))، وهذا شِق التمرة الذي نَشتغِل به.

إذا كانت فاعلية الإنسان هي قوام النهضة، كيف نَغرِس هذه الفاعلية في نفوس الشباب؟ وما هي أهم المشكلات التي تحول دون قيام الشباب بدورهم في النهضة؟

د. جاسم:

هناك ثلاث مُشكلات:

1- اليأس والشعور بأنه ما مِن فائدة، وهذه مشكلة كبيرة جدًّا تحتاج إلى علاج.

2- اختلال القاعدة المعرفية عند الشباب؛ حيث يتلقى الشاب مِن مصادر مُتعدِّدة فتختلط عليه الأشياء.

3- نقص المهارات لنقل الأفكار إلى واقع.

إذا استطعنا العمل على هذه المشكلات الثلاث مع جهد الحكومات، وفتح فُرَص العمل، وفضاء الحرية والدفاع عن الحريات - إن شاء الله - سيَنطلِق الشباب.

في نهاية الحوار بما تَنصحون الشباب في وطننا العربي؟

د. جاسم:

كما أنصح نفسي: حسن الصِّلة بالله - عز وجل - وأن نكفَّ الشر عن الآخَرين، فإن لم يصلهم منا الخيرُ، فلا يَصلهم شرٌّ؛ والأمر الآخَر الذي أنصح به جدًّا هو حسن الفهم لكتاب الله - عز وجل - لأن الفهم الخاطئ لكتاب الله يقود إلى مشاكل وإشكاليات كبرى، وعبر التاريخ الإسلامي عانى الإسلاميون من أناس مُتديِّنين أساؤوا الفهم، فنحن نحتاج إلى حسْن الفهم لكتاب الله - عز وجل - وعدم التعجُّل في الاستِنتاجات.
-------------------------------------------------
حوار : عبد الرحمن المراكبي

 

مصادر المقال: 
http://pen-pulse.blogspot.com/2013/01/blog-post.html
http://www.alukah.net/Culture/0/48642/