زئير المجتمع

صورة ياسر الغرباوي

أدركت منذ حين أن حركة الشعوب تسبق الأحزاب، وأن المجموعات التى بوزن الفراشة تتقدم على الحركات التي بحجم الفِيَلَه، وقد تجسد ذلك فى ربيع الثورات العربي؛ فالذي أطلق شرارة الثورة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا هم الشباب المتحرر من كثافة الأيديولوجيا وسطوة التنظيميات، وذلك عندما بشروا بإمكانية الفعل وباعوا الأمل للعباد والبلاد فدخل الجميع  فى الفعل الثوري أفواجاً.

واليوم وبعد هذه الموجات الثورية العربية  أصبحت أكثر قناعة بأن المجتمعات ستسبق الأحزاب والحكومات؛ فالمجتمع أحس بقوته وأدراك قدرته وعرف وزنه وأبصر حجمه، وأنه هو السيد المُطاع وأن الدولة والحكومة ما هي إلا وسائل لخدمته فإذا أبطأت عليه ثار عليها وشق له طريقا أخر أكثر سرعة  وأوسع أفقاً وأجدى نفعا،هذا ما لمسته فى جولتي في مصر المحروسة حيث وجدت مدناً وقرى  تدبّر أمر نفسها بنفسها دون انتظار لمنّة حكومية أو فرمان رئاسي أو منحة حزبية أو دورة برلمانية أو حملة إنتخابية.

 

أرض الثورة والتنمية

المحلّة الكبرى قلعة صناعية مصرية غرس شجرتها الباشا طلعت حرب، وتولى رعايتها الزعيم جمال عبد الناصر، قدمت سابقاً نموذجاً فى جودة منتجاتها وعزيمة عمالها،و كانت هى نواه ثورة الكرامة المصرية عام 2011 عندما شاركت فى إضراب 6 إبريل 2008 والذى من رحمه إنتشر الأمل بالقدرة على الفعل وإمكانية إزاحة نظام مبارك الظالم.

 

تقدم المحلّة اليوم نموذجاً رائداً فى التنمية يزرع الأمل وسط غابات اليأس التى تتغذى على أفعال وممارسات القوى الحزبية والسياسية التى تعبث بأقدار الوطن، فمن خلال منظمات المجتمع الأهلي تغلبت مدنية المحلّة الكبرى بدرجة كبيرة على العديد من التحديات  الصحية والتنموية، فعبرالعديد من الجمعيات الأهلية يحصل الناس في المحلة على  الخدمات الضرورية.

 

وسأركز هنا على تجربة الجمعية الشرعية في المحلة الكبرى كمؤسسة  غير حكومية تقدم نموذجاً حضارياً واعداً فهى مؤسسة  يبلغ عمرها قرابة قرن من الزمان تقدم خدماتها للمصريين دون تمييز أو تحيز، و تعمل في العديد من المشاريع و سأركز على مجالات عملها التالية:

 

أولا: المجال الصحي

لدى الجمعية مستشفى القدس الذي يقدم خدمات طبية على درجة عالية من الجودة والكفاءة، ومن أبرز أقسام المستشفي قسم الغسيل الكلوي الذي يخدم الجمهور مجاناً وهو على درجة عالية من مستوى الأمان الصحي والخدمة الإنسانية الراقية، وأيضا قسم حضَانات للأطفال ناقصي النموالذي يقدم خدماته للمحلّة الكبرى والمناطق المحيطة بها مجانا، ومن خلال زيارتي لهذا القسم وقفت على روعة النموذج ومدى العناية الفائقة بالمكان، ودقة العمل، وروح الفريق العامل الذي يؤمن أن له رسالة وهدف وهو تفريج الكرب عن المواطن المصري الفقير، كما تمتلك الجمعية سلسلة من المراكز الطبية الخارجية وغرف العمليات بكافة درجاتها وأنواعها تقدم خدماتها للمصريين دون تمييز بأجور رمزية .

 

ثانيا: مجال التربية والتوعية  

على مدار يومين كاملين قضيتهما فى رحاب هذه المؤسسة الرائدة ووفق لغة الأرقام والإنجاز وقفت على دور  الجمعية  التربوي من خلال التعرف على مؤسساتها التربوية والتى تبلغ قرابة 20 حضانة للأطفال منتشرة فى رحاب المحلّة الكبرى تراعي المعايير التربوية من حيث كثافة الفصول، وجودة المنهج، ومهارات الفريق العامل، حيث لايزيد على الطلاب في الفصل الواحد عن عشرين طفلاً فقط ،بالإضافة إلى رعاية المؤسسة لقرابة 35 ألف طفل يتيم على مستوى مركز المحلة الكبرى ،واشرافها على قرابة 150 مسجداً من حيث الخطابة والتجهيزات والصيانة بالإضافة إلي وجود معهد لإعداد الدعاة يُخرج الخطباء والوعاظ وفق منهج شرعي مدروس على أيدي علماء متخصصين.

ثالثا: مجال الاصحاح والمياة

هذا هو الجانب الأبرز الذى لفت نظري فى هذه المؤسسة  وهو توفير مياة الشرب النقية للمواطنيين من خلال إنشاء محطات تنقية للمياة فى القري حيث تمتلك الجمعية قرابة 45 محطة تنقية تقدم مياة الشرب  للمجتمع مجانا وهذا المشروع كما يبدو لي له أثر طيب على تخفيف نسبة أمراض الفشل الكلوي فى هذه القرى ،وأصبح فريق الجمعية محترف فى تركيب وعمل هذه المحطات وهم مستعدون لنقل خبراتهم فى هذا المجال لكل قرى ومدن مصر المحرومة من مياة الشرب النقية .

 

والمجالات التى تعمل فيها هذه المؤسسة وغيرها من مؤسسات المجتمع الأهلي متشابكة ومتنوعة،أشرت  إلى الجمعية الشرعية فقط بحكم زيارتي لهم ووقوفي بنفسي على مشاريعها  لكني أعرف أن مصر مليئة بالمؤسسات المجتمعية العظمية التى تعمل دون ضجيج ويثق فيها المجتمع أكثر من الأحزاب والحكومات وهذا يؤكد لنا جمعيا أن المجتمعات بعد الثورة لن تنتظر مِنةً من حكومة، أو منحة من حزب، أوعطيةً من جماعة. فالمجتمع يتحرك ويشق طريقة وسط الصعوبات دون تردد.

 

وفي نهاية المقال أقول للأحزاب المصرية المتعاركة وللحكومة  المُهتزة ومؤسسة الرئاسة المترددة: قطار المجتمع يطوي الأرض طياً، فإما أن تمدوا له السكك حتى يكون أكثر سرعة وكفاءة وإما أن تسقطوا ضحايا تحت عجلاته .