حتى لا تُصاب مصر بالدوار

صورة ياسر الغرباوي

 تحرك الرئيس مرسي  تحركات دولية عديدة امتدت شرقا حتى وصلت الصين واتجهت غربا حتى وصلت إلى مشارف الضفة الغربية للأطلنطي فى الولايات المتحدة الأمريكية، واتجهت جنوبا حتى وصلت إلى منابع النيل فى أثيوبيا ، وتحركت شمالا حتى شملت دولاً أوربية على رأسها ايطاليا .

هذا النشاط السياسي الدءوب والمتواصل سيكون بالغ النفع لو إنطلق من رؤية جيواستراتيجية واضحة للدولة المصرية والتى بدونها لن تحصد مصر ولا شعبها ولا رئيسها من كل هذه التحركات خيرا لا في المدي المنظور ولا في القريب العاجل؛ فالدول الناجحة تتحرك على رقعة المسرح العالمي وفق رؤية واضحة تحترم فيها مقومات الجغرافيا السياسية وتستخدم فيها أدوات الجيوبوليتكا الحديثة.

 فالجغرافيا السياسية تحدد للدولة  تأثير جغرافيتها على قرارها السياسي وما الذي ينبغي عدم تجاهله عند   اتخاذ قرار سياسي معين مثل توقيع اتفاقية ، أو الدخول فى حرب أو الركون إلي السلام ، فلابد من مراعاة الجانب الجغرافي فلا يمكن مثلا لدولة حبيسة أن تتخذ قرارا سياسيا يحتاج تطبيقه منها أن تمتلك أسطولا بحرياً. وأما الجيوبولتيكا فهى تعمل على مسار موازي للجغرافيا السياسية فلسفته قائمة على دراسة أثر القرار السياسي على الجغرافيا ، فلو اُتخذ قرار بتوجه مصر إقتصاديا نحو الشمال سيستدعى ذلك تغييراً فى الجغرافية الاقتصادية المصرية يتطلب تحديث الموانىء الشمالية وزيادة عددها ، وإنشاء مدن تجارية على ضفاف البحرالمتوسط، وتفعيل خطوط التواصل البحري والجوي ، وغيرها من الإجراءات الميدانية التى ستؤثر على الجغرافيا استجابة للقرار السياسي.

الخيط الناظم

  فعلى السياسي المصري أن يُخضع كل سياساته وأنشطه وأعماله لتكون فى خدمة التوجه الجيوبولتيكي للدولة المصرية وما يخدم مصالحها فى المستقبل ، فلابد أن تراجع قائمة الأعمال من زيارات سياسية واتفاقات دولية ، وعقود اقتصادية ، ومشاريع قومية ، ومبادرات دولية فى ضوء فلسفة وطبيعة التوجه الجيواستراتيجي للدولة المصرية.

فالمجهود السياسي بكافة درجاته بدءً من مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية والمخابرات العامة وكل المؤسسات السيادية التى لها علاقة بالتواصل بكل ما هو خارج الحدود لابد أن يُدرك فلسفة التوجه الجيواستراتيجي المصري فى المرحلة الراهنة.

التجربة التركية

 النجاح التركى الذي تحقق  فى ظل حكومة حزب التنمية والعدالة يستند على رؤية جيواستراتيجية واضحة ومنشورة للجميع و قائمة على إدراك طبيعة التحديات الجغرافية للدولة التركية وعارفة بالدورالتاريخي للعثمانيين فى المنطقة ، ومحددة لما هو مطلوب عمله للحفاظ على المصالح التركية العليا ، وقد تتجلى هذا كله  فى كتاب العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية لمؤلفه أحمد داود أغلو- وزير الخارجية التركي.

العمل المطلوب

 لابد ان يسبق تحركات مصر السياسية على الخريطة العالمية  جهد معرفي عميق يحدد ماهي أولويات مصر الجيواستراتيجية خلال العشر سنوات القادمة؟؟ حتى لانقع صراعى لما يعرف بالدوار الجغرافي حيث تفقد البوصلة الجغرافية وتضل الراحلة السياسية ، ونظل أسرى التاريخ القديم ، ويضطرب سلم الأولويات، وقد حدث طرفاً من هذا فى أعقاب زيارة مرسي  للصين  حيث روج البعض أن هذه الزيارة استراتيجية وستؤدي إلى الانعتاق من الهيمنة الأمريكية ، وبالغ البعض وقال أنها تعبر عن رؤية جديدة قائمة على الاتجاه شرقا ، وهذا كلام عريض يفتقد إلى خيط ناظم يجمعه أويؤكده أو ينفه وهو عدم وجود رؤية جيواستراتيجية مصرية حديثة عارفة بطبيعة شخصية الجغرافية المصرية ، ومدركة لفلسفة التاريخ  المصري ، وعالمه بطبيعة الجيوبولتيكا المصرية ، من أجل الوصول لرؤية جيواستراتيجية واضحة لمصر نتهدى بها جميعا ينبغي عمل التالي على وجه السرعة:

أولاً:  يُكلف الرئيس مرسي  فريق المستشاريين الذين اختارهم بنفسه للعمل على هذا الملف وأخص الأكاديميين منهم على وجه الخصوص.

ثانيا: ضرورة التواصل  بين المؤسسسات الأكاديمية المعنية بالعلوم الاستراتيجية مثل كليات السياسية، وأقسام الجغرافيا والتاريخ بكلية الآداب والجمعية الجغرافية المصرية.

ثالثاً: الاستعانة بجهود مركز الأهرام للدراسات لما له من خبره وتاريخ وقرب من مطبخ صناعة السياسة الخارجية المصرية.

رابعا:ً الاستعانة بخبراء أكاديمية ناصر العسكرية وبخبرات معهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة وبجهود معهد الدرسات الأسيوية بجامعه الزقازيق.

خامساً: عمل مؤسسة مصرية بحثية معينة بملف توجه مصر الإستراتيجي ينسق كل هذه الجهود السابقة ويجمع شتاتها ويتولي تدريب وتعريف هيئات ومؤسسات الدولة بها.  

ملف النهضة: