التنظيمات بين الغريزة والعقل

صورة وائل عادل

تعلّم بعض التنظيمات والمؤسسات أتباعها أن يكونوا أسوداً، تشحذ لديهم غريزة البقاء، تعلمهم أن الزئير فضيلة، والوثب تجاه الخصم مكرمة. وهي وإن أرادت بذلك شحذ الحماس وتطوير قدراتها الدفاعية؛ إلا أنها كذلك تعبر عن واقعها.

 فهي تنظيمات غريزية وليست عاقلة، تمارس العمليات الأولية التي تلزم بقاء أي تنظيم، فهي تلتهم يومياً وجبات فكرية كلاسيكية مشبعة بالمنشطات لتنمية العضلات، تهتم في بقائها بحشد الأنصار، وتجنيد الأعضاء، وطرد المخالفين، وتقضي يومها في مقارعة الخصوم، , والخصوم هنا هم كل منافس على الفوز بالكتلة البشرية. ثم تعود آخر اليوم لديها راحة ضمير منقطعة النظير في كل ما فعلته، لا تتشكك أبداً فيما قامت به.. وكيف لا وقد استجابت لنداء الغريزة؟!

الإنسان كذلك لديه غريزة، نلحظها في الأكل والشرب والنوم، والاستجابة لبعض المؤثرات، لكنه تميز بأنه كائن عاقل، لديه القدرة على إدارة الغرائز بالإضافة إلى تطويع الكون له. يتفوق جهازه العصبي وخلايا دماغه على الأسد بمراحل. فالجهاز العصبي للأسد ينمي لديه غريزة الدفاع والهجوم والأكل والتكاثر. لكنه لا يجعله عاقلاً مقارنة بالإنسان.

والتنظيمات الغريزية قلما تمارس المستوى الأعلى من التفكير، الذي يجيب على أسئلة جدوى حشد الأنصار، أو عدد الأعضاء ونوعيتهم، أو دورهم في صناعة القرار، أو مدى حضور النقد كمحرك أساسي للتنظيم .. الخ، فقيامها معتمد على تدمير هذا المستوى من التفكير، هي ليست في حاجة إلى دماغ  إنسان، تكفيها دماغ الأسد، أو بالأحرى عضلاته!!

فكرتُ... لم لا تعتمد هذه التنظيمات في قوتها على تربية أسود حقيقية، تخيف بها خصومها، أو كلاباً فتاكة مدربة تدين بالولاء المطلق لزعيمها وقائدها، أو كتيبة من القرود المشاكسة التي تقلق نوم أي مخالف؟!

لكنني عدلت عن الفكرة... فهي مطبقة بالفعل... فالنظيمات الغريزية تضم في صفوفها حشوداً كبيرة من كائن حي لم يتم التعرف عليه بعد.. لكنه حتماً ليس "الإنسان"!!

الإنسان العاقل هو العنصر المفقود في مثل هذه التنظيمات.. شتان بين تنظيم ينمي الغريزة وآخر ينمي العقل، التنظيمات الغريزية تبدأ أولى خطواتها في الحياة بزئير يبدو مهيباً، أما التنظيمات العاقلة فتبدأ حياتها بتواضع وهي تتعلم المشي، لتعلن أنها تنتمي إلى جنس بني الإنسان، تملؤها رغبة في التعلم وتطوير عقلها. التنظيمات الغريزية تتباهى بالقوة العضلية والجسدية، أما التنظيمات العاقلة فتعلم أن عقلها مصدر قوتها، وأنها بفضله قادرة على تصنيع الشباك.. التي تصطاد الأسود.