الثقافة ومترتباتها

صورة د.جاسم سلطان

أليس الناس مشتركين في مثل هذه الأحاديث بطريقة أو بأخرى، وفي أغلب الأحيان؟! أليست قضايا الحياة متداخلة بحيث أن الحديث في شأن يقود للآخر بطريقة تلقائية؟! يطرح هذا العالم المركب الذي يحيط بنا بتجلياته المختلفة وتضاريسه المتنوعة وأبعاده المتعددة وتداخلاته المربكة على العقل البشري صعوبات جمة وتحديات متنوعة.

فهنا مشكل اجتماعي ذو ظلال اقتصادية، وهنا مشكل اقتصادي ذو ظلال سياسية، وهنا مشكل سياسي ذو ظلال سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية، وهناك مشكل ديني ذو ظلال سياسية اجتماعية، وهناك مشكل أمني ذو بعد اقتصادي أو ديني أو عسكري أو سياسيي أو تعليمي أو جغرافي أو كل ذلك مجتمعاً.

والعمل في الشأن العام يعني بصورة أو بأخرى أن يصطدم الإنسان بقضايا الواقع وتضاريسه، وأن يكوّن أحكاماً عن هذا الواقع شاء أم أبى، أحكاماً تبسيطية أو معقدة، مؤثرة أو غير مؤثرة، ذات انعكاسات عملية أو غير عملية، ولكن العقل البشري في المحصلة لا يستطيع أن يتجنّب ذلك أو أن يقف على الحياد. وإذا كان أحد تعريفات السياسة هو "الاهتمام بالشأن العام" فالواقع يشهد بأن الاهتمام بصورة ما بالشأن العام هو طبيعة بشرية تزيد أو تنقص، ولكنها موجودة بحكم الواقع الإنساني والاجتماع البشري؛ فالناس تتحدث في كل حين في العلاقات الدولية وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي التعليم أو ما يُطلق عليه مجتمعنا "السياسات العامة"، وهذا بحد ذاته ليس محل الإشكال الذي نودّ الحديث عنه هنا؛ لأنه فعل لا يترتب عليه غالباً إجراءات أو توابع.

ولكن هناك طبقة أخرى لقولها أثر ولرأيها قيمة، وهي إن سكتت سألت، وإن أعرضت دُعيت، يتابعها الناس، ويتلهفون لسماع وجهة نظرها في كل نازلة وحدث، وهي إما أن تهدي الناس إلى العواصم أو تقودهم إلى القواصم. وهنا مربط الفرس كما يُقال، فالكتّاب والعلماء والمفكرون والخطباء والوُعّاظ، وكل من يتصدى للعامة في أمور الشأن العام يصدرون أحكاماً على الواقع المحيط، وينقلونها للجمهور بطريقة أو بأخرى، وهم بهذا يستخدمون المعارف المتوفرة لديهم لإصدار هذه الاحكام، ولأن القاعدة تقول "الحكم على الشئ فرع من تصوره" لنا أن نتساءل عن تصورات هذه الشريحة عن السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين وغير ذلك، فكما أنه لا يجوز لمن قرأ مقالات صحفية عن الدين أن يتصدى لأموره؛ فلا يصح لمن قرأ مقالات في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أن يتصدى للأمور التي تقع تحت دائرتها، وهو أمر بديهي للوهلة الأولى، ولكن أليست الحياة أعقد من ذلك؟!  أليس الناس مشتركين في مثل هذه الأحاديث بطريقة أو بأخرى، وفي أغلب الأحيان؟! أليست قضايا الحياة متداخلة بحيث أن الحديث في شأن يقود للآخر بطريقة تلقائية؟!

وإذا كان الأمر كذلك فما هو القول الوسط في مثل هذا الشأن حتى لا نحجّر واسعاً، ونضيّق حيث تتوجّب السعة، وخاصة في عصر يطلب من العوام التصويت لخياراتهم، ولمن يمثلونهم، ولقضايا مجتمعاتهم ناهيك عن النخبة؟ والرأي الذي نراه أن تتولى المؤسسات التي يعمل بها النخب كالجامعات والمعاهد والصحف ووسائل الإعلام والواجهات الدعوية بتنظيم دورات مركزة وقصيرة في المجالات المختلفة، وتعمل على انتقاء ما هو عملي من علوم الشأن العام، والتي تعيّن في صناعة التصورات قبل أن تسمح لأحد باعتلاء منابرها، وأن يحرص كل من يرغب في المشاركة في الهم العام وفي توجيه الرأي العام أن يتزود لمهمته بقاعدة صلبة في العلوم الانسانية المختلفة قبل أن يتصدى للشأن العام.

إن مثل ذلك لن يمنع الاختلاف، ولكن سيعين في إيجاد قواعد منطقية للحوار، خاصة في هذه المرحلة الحرجة من عمر الأمة، والتي تحتاج فيها إلى أعلى درجات الحماس مع أقصى درجات الرشد في القول والعمل.