د. جاسم سلطان لـ"الشرق": فشل الحكومات الإسلامية ستكون له انعكاسات خطيرة على أفكار الإسلام

صورة د.جاسم سلطان

قال الدكتور جاسم سلطان المفكر الاستراتيجي القطري ومهندس مشروع النهضة إن على  المسلمين ألا يستسلموا لواقعهم، وعليهم أن يطرقوا أبوابا جديدة إذا أُغلقت أمامهم الأبواب، وهو منهج النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في الجزء الثاني من الحوار الذي أجرته معه جريدة الشرق أن التيارات الإسلامية التي جرّبت الحكم قبل أن تُجهّز نفسها وجدت التكلفة عالية. وأشار إلى أن الإسلاميين كانوا يعيشون في فضاء ضيق جدا منشغلين بقضية الدفاع عن الذات ففوجئوا بسقوط الأنظمة، ولفت في الحوار إلى أن العلاقات بين المسلمين ضاقت وتقزّمت وانحصرت في مذاهب ومفاهيم ضيقة.. وفيما يلي تفاصيل الحوار:

• أنت تؤمن بمبدأ عدم استسلام المسلم وتقول في كتاباتك أن الرسول صلى الله عليه وسلم ووفقا للسيرة النبوية كان كلما أُغلق أمامه باب فتح بابا آخر.. كيف تناقش هذا المبدأ؟

 بعض الناس إحدى مشاكلهم الكبرى أنهم إذا طُرحت عليهم مسألة رياضية يجيبون الإجابة الأولى ، وتظهر الإجابة خطأ فيأخذوا علامة صفر. ونعيد كتابة نفس السؤال ونبعثه مرة ثانية وتأتي الإجابة صفر! فلماذا لا نحاول محاولة أخرى عن طريق آخر.. فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن هذا منهجه، بل كان منهجه إذا وجد بابا مسدودا تحرك نحو باب آخر، المهم أن يصل إلى الهدف وبالوسيلة الخيّرة ولكنه لم يكن يحبس نفسه في أنماط محددة من الأداء إلى ما لا نهاية.

وهذا هو الذي تكلم عنه آرنولد تونبي وأسماه الوسيلة الذهبية. وهذه القضية خلاصتها أن الإنسان المسلم لا ييأس إذا كانت الظروف صعبة لأن الله إذا أغلق أبوابا أمامه فسيفتح له أبوابا أخرى، لكن عليه أن يطرق هذه الأبواب لا أن ينتظر الإنسان عند الباب الأول حتى يفتح له الباب الثاني، إذن لابد أن يجرب الأبواب الأخرى لأنه لا يدري أي الأبواب ستُيفتح وأين سيكون الخير؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم بقي في مكة حتى اتجه إلى القبائل الواحدة تلو الأخرى حتى بلغت المحاولات بين 13 إلى 15 محاولة حتى فتح الله عليه باب المدينة المنورة. فهذا السعي الحثيث يجب أن يكون في كل شؤون المسلمين في الصناعة والزراعة والتجارة وفي كل ما يخطر في بالنا من صعوبات تقف أمامنا ،علينا أن نقارب الأمور مرّة بعد مرّة بتجارب جديدة حتى نصل للوسيلة أو الحل الذهبي.

 

تجربة حكم الإسلاميين

• في حديث لك سابقا قلت أن الحركات الإسلامية لا علم لها بالسياسة ولا الاقتصاد والاجتماع، وإذا دخلت هذه المجالات ستضر بها.. فنحن اليوم أمام حركات إسلامية تحكم.. فهل الحركات الإسلامية التي تتولى شؤون الحكم في هذه البلاد تضرها؟

 قلت هذا الحديث من باب التحذير.. لأن المكون الفعلي للتيارات الإسلامية بشكل عام كان محصورا في التفقّه الديني بدرجة كبيرة ونستثني من ذلك التيار السلفي الذي كان مشغولا بالقضايا العلمية وغير مشغول بقضايا العمل الواقعي، والتيارات الإخوانية كان اتجاهها العام تربويا يأخذ من الدين أقل حمولة إن صح التعبير وهي الحمولة الأخلاقية ويتجه لتركيز فكرة التنظيم واستقطاب العناصر.

أما داخل المنظومات الثقافية الموجودة فلن تجد لا علوم السياسة ولا علوم الاقتصاد ولا علوم الاجتماع، وبالتالي الذي ينشأ بارعا جدا يكون خطيبا في الغالب — يعني خطيب مسجد حافظا للقرآن — هذا في أحسن الأحوال، والجانب الآخر والأخطر أنه منغلق على فكرة التنظيم، وإذا خرج للفضاء العام فهو منشغل بفكرة التنظيم والانصياع لهذه الفكرة ،وبالتالي لا يخرج لفكرة المجتمع بسهولة لأن تركيبته النفسية لفترة طويلة تركبت على قدسية التنظيم والتحرك داخل هذا الإطار.

والآن عندما جاءت فرصة الاشتراك في الدولة فإن المسافة بين فكرة إنتاج دولة في الصناعة والزراعة والتجارة والانخراط الاجتماعي وإنشاء تعاقد اجتماعي واسعة جدا بالمقارنة مع فكرة العناية بالتنظيم، وهذه القفزة المعرفية لمّا تحدث بعد، وحتى تحدث تحتاج تكلفة ربما تكون عالية.

فالتيارات الإسلامية التي جربت الحكم قبل أن تجهّز نفسها وجدت التكلفة عالية في تجربتها، والذين يدخلون التجربة حديثا الله أعلم إن كانوا سيرزقون بالبطانة الصالحة من غيرهم تعينهم في عبور هذا المسار أم سينغلقون تنظيميا؟ وبالتالي ينعكس الموضوع على فهم الذين بشّروا بالإسلام، فإذا فشلوا فكأن الإسلام هو الذي فشل ولذلك ندعو لهم بالنجاح والسداد.

 

هذه هي التداعيات

• ما التداعيات التي يمكن أن تترتب في حال فشل الحكومات الإسلامية في الدول العربية؟

 بالتأكيد سيكون لها انعكاسات كبيرة على الأفكار التي طُرحت عن الإسلام. والإسلام لا خوف عليه، وهذه البيئة بيئة مسلمة، والبعض يضرب مثال السودان ويقول بفشل تجربته وأنا أعلم — مثلا — أن اجتماعات الحزب الشيوعي في السودان تبدأ بآيات من الذكر الحكيم! إذن الخوف ليس على الإسلام بل إن الجزء الذي سيتصدع هو بعض المقولات الكبرى المتعلقة بنظم إسلامية جاهزة للتفّعيل على أرض الواقع، لأن الإسلاميين استخلصوا فكرة: بما أن الإسلام منظور شامل ويعطي منظومة كاملة للنظر إلى الكون، وبما أن فيه بعض التشريعات المتعلقة بالأسرة ، وبعض القواعد العامة التي تحكم الحياة فهو نظام شامل.. ولم يفرّقوا بين فكرة المنظور الشامل وبين النظام الشامل.

فالنظام الشامل عبارة عن عمليات كاملة، مدخلات ومخرجات ونظام تحكّم، وبالتالي تستطيع أن تركّبه في المصنع سواء أكان هذا المصنع  مصنع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، أمّا إذا لم يكن لديك سوا مبادئ عامة، فأنت تمتلك منظور شامل وليس منظومة لإجراءات.. هذا هو الجزء الإبداعي والمتعلق بالإنسان.

والإسلاميون أشاعوا فكرة أن عندهم منظومات نظام إسلامي، نظام سياسي، ونظام اقتصادي، وثالث اجتماعي، ورابع زراعي وخامس صناعي إلى آخره... ولم يتم التفريق الحدي بين أن هناك منظورا شاملا حاكما أكبر للمشهد، وبين تفصيلات المشهد هي غالبا إبداعات بشرية وليست منتجا جاهزا للاستخدام.

المنتج الذي سينتجونه هو منتج بشري سيكون فيه عطب باستمرار، وبالتالي إذا فشل فشلا ذريعا فإن هذه المقولة ستتهاوى، أما الإسلام فلا خوف عليه، فالمسلمون هم المسلمون إلى يوم القيامة.

 

مشروع النهضة الاسلامية

• بوصفك مهندس مشروع النهضة الإسلامية وسبق لك أن تحدثت حول هذه القضية بشكل متصل.. فما التحديات التي تواجه القائمين على تنفيذ هذا المشروع؟

هناك ثلاثة مستويات من التحديات تواجه أي مشاريع؛ المستوى الأول التحولات الفكرية الضرورية لإنتاج مجتمعات جديدة. هذه التحولات الكبرى وهي الإقرار بدولة المواطنة والمساواة للجميع، والاعتراف بالحدود الإقليمية، والاعتراف بالمنظومات الدولية التي نتعامل معها، والاعتراف بالعصر والفوارق التكنولوجية بين الأمم المختلفة، العمل من داخل هذه السياقات في الفكر الإسلامي بشكل عام دائما ما يتم  تجاوزها باعتبار أنه سيحدث نوع من أنواع المعجزات التي تقفز بنا لحل هذه الإشكاليات دون المرور عليها، وهذا غير صحيح.

والمستوى الثاني هو عالم العلاقات.. هذا العالم وفي الحالة الإسلامية بشكل عام  تقزّمت العلاقات وضاقت ضيقا شديدا بعد أن كنا نتكلم عن أمة الإسلام أصبحنا نتكلم عن السنّة والشيّعة، وداخل السنّة نتكلم عن مذاهب، وداخل المذاهب بدأنا نولّد حركات إسلامية، والحركات الإسلامية منغلقة على ذاتها، وتعتقد أن تمتلك الحل الكامل، وتُنشئ أفرادها على هذا المفهوم؛ لذلك ضاقت دائرة العلاقات فلم يعد أحد يثق في الآخر، وهذا ما أنتج عملية احتلال المجتمع بدل عملية تمكين المجتمع ليحتل فضاءه ، وهذه قضية فكرية كبيرة جدا لم تحدث فيها تحولات فكرية، وأعتقد أن الأشياء جارية لكن التعلّم سيكون له تكلفة.
ويدخل كذلك في عالم العلاقات، العلاقات الدولية.. فهذه العلاقات عندنا فيها التباس فقهي والتباس واقعي، ونحن نتأرجح بين المقولات الفقهية القديمة وبين المقولات الفقهية الحديثة وبين ضرورات العصر التي نستطيع تجاوزها. فهذا الجانب من عالم العلاقات فيه إشكالية أيضا ويحتاج لعلاج.

والعالم الأخطر هو عالم المشاريع، ففي هذا المجال نحن نعرف أن الصين مثلا حتى تعبر لهذا الفضاء الذي أنتجته الآن مرّت بأول تجربة كبرى، وهي تجربة ماوتسي تونغ وكانت كارثية، ولمّا توفي ماو وجاء من بعده وأراد إصلاح الأوضاع فشل فشلا ذريعا، وتكلفت هذا الفشل كانت عالية، ثم جاءت المرحلة الثالثة وهي مرحلة بناء الإصلاحات التحتية وعبرت الصين بر الأمان.
الآن الإسلاميون في عالم المشاريع فوجئ معظمهم بسقوط الأنظمة فلم يكن أحد منهم يتوقع سقوط النظام في مصر مثلا، فكلهم كانوا يعيشون في فضاء ضيق جدا متعلق بقضية الدفاع عن الذات والمحافظة عليها من السجون إلى الحياة العامة... فهذا الفضاء خلق نوعية من العقلية غير منشغلة بالواقع الخارجي بشكل كبير جدا، وهي إن صح التعبير تسعى للبقاء ولا تسعى للتعمير والتنمية، وقد وجدت نفسها فجأة  أمام استحقاقات دول.. كيف ستدير الصناعة والزراعة والأمن القومي والعلاقات الدولية؟.. هذا العبور إلى هذا الفضاء الجديد قد يكون له كلفة، وفي الغالب سيكون.

 

تخلف المسلمين

• الشتات الحاصل الآن في الأمة الإسلامية ما أسبابه؟ هل هو كائن لأن الأمة الإسلامية ليست لديها قيادة موحدة أم ماذا؟

 نحن نحتاج أن نكون دقيقين في التعميم، فالرسول صلى الله عليه وسلم مؤسس هذا المشروع لمّا توفي كانت حدود الإسلام الجزيرة العربية ولم يخرج منها، بل على الواقع العملي كانت الحدود هي مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف التي ثبتت على الإسلام ولم يتم استيعاب الجزيرة كاملة. ولما جاء أبوبكر الصديق رضي الله عنه وتحركت الجيوش الإسلامية تمددت على الجزيرة العربية في السنتين اللتين حكم فيهما، وعندما نأتي إلى خلافة عمر بن الخطاب نعلم أنه وصل إلى مصر وأراد أن يتوقف فنهى معاوية بن أبي سفيان أن يركب البحر لما بعد الشام ، وكان يعتقد أن هناك مساحة قابلة للتحكم، فالعصر بطبيعته كان عصرا إمبراطوريا، بمعنى أنه إن لم تغزُ غُزيت، ولذلك كانت عملية التمدد في ذلك الزمان عملية دفاعية باستمرار حتى تبعد عنك الخصوم بقدر ما تستطيع.
لكن إذا نظرنا إلى الـ 200 سنة الأولى أي القرن الثامن الميلادي انتهت الدولة العباسية ودخلنا حالة التفكك والضعف وهو دور تفكك الدولة الإسلامية رغم أنها كانت تحت قيادة واحدة ..على الأقل كما يبدو للوهلة الأولى من مسمى الدولة ووجود الخليفة.

• دائما ما توجه انتقادا للخطاب الوعظي المعاصر فما أسباب هذا الانتقاد؟

 الخطاب الوعظي المعاصر يعاني من آثار العصور، حيث تنتشر فيه قضايا موروثة من عصور الجهل، تجعل العلاقة بالدنيا علاقة مذمومة، وقد دعت لحشد النصوص فيها اختلالات ناشئة في تلك البيئة، ثم تضاعفت بالتحول لفضاء فكر التصوف، وما شابه من مزيد من الإغراق في التزهيد في الدنيا ، وهي أمور قادت لعكسها في عصرنا الوعظي. كما أنه يتم تناول الكثير من الأمور في السياسة والاقتصاد والاجتماع بطريقة مسطحة تسهم في تسطيح العقل المسلم.
-----------------------------------------------

أجرى الحوار: محمد دفع الله من جريدة الشرق القطرية. 

ملف النهضة: 

التعليقات

صورة esmail alemadi

غند قرأتي للحوار الذي تم مع الدكتور جاسم لاحظت اشياء كثيرة لمستها في الواقع فأنا كنت منخرطاً مع الإخوان المسلمين في اليمن وعن دراستي خارج اليمن ففي الحقيقة كان اكثر ما يتم التركيز علية هو الحضور الى إجتماع مغلق لا أحد يعلم بة فكنت اصيب بدهشة عندما كان المسئول عن الحلقة يقوم بزيارتنا ويحدثنا بأن الامر سري ولا يجيب البوح بة .
اشكر الدكتور جاسم السلطان على ماتحدث بة واتمنى له التوفيق