محمد إقبال.. فيلسوف الوجدان

صورة أسحار

"إنزل في أعماق قلبك، وادخل في قرارة شخصيتك، حتى تكتشف سر الحياة، ما عليك إذا لم تنصفني وتعرفني، لكن.. أنصف نفسك يا هذا! واعرفها، وكن لها وفيا"

كلمات نثرها إقبال فأقْبَلَتْ بقلبي على نفسي.. أغوص في أعماقها.. أسبر غورها.. أفتش بين جنباتها لأستخرج منها أعزّ ما فيها.. ذاك السرّ الذي تحدث عنه إقبال.. عبوديَتها.. طاعَتها.. ذلَّها.. خضوعَها.. للملك الذي لا ندّ له.. للسيد الذي لا سيّد فوقه.. لله رب العالمين..

محمد إقبال..

شاعر الحب والطموح والإيمان.. فيلسوف الذاتية.. المسلم الإنسان.. العبد العزيز.. الفقير الغني.. العاشق المحبّ.. هندي الهوية حجازي الهوى..

هو محمد بن إقبال، ولد في مدينة "سيالكوت" في مقاطعة بنجاب عام 1877 ، لأسرة من البراهمة النبلاء اعتنقت الإسلام منذ ثلاثة قرون وهاجرت من كشمير أمام الحوادث إلى البنجاب حيث استقرت بها آمنة مطمئنة، بدأ مراحل تعليمه وبدا عليه ذكاءٌ وتميّزٌ بين الأقران، التحق بكلية الفلسفة بلاهور، ولما أكمل دراسته فيها وقع عليه الاختيار لتدريس الفلسفة في الكلية نفسها.

وفي سنة 1905 سافر إلى كامبردج ثم إلى ميونخ ونال درجة الدكتوراه في الفلسفة،وهناك كان منبرا يهتف باسم الإسلام ويجاهد في سبيل إظهار مزاياه، وقد ألقى عن الإسلام عدة محاضرات في إنجلترا، ليعود بعدها ثانية إلى لاهور سنة 1908..

ترك وراءه ميراثا لا يقدّرُ بأثمان، إذ هو ميراثٌ يوقظ الضمائرَ ويلهبُ الوجدان: شعرٌ يسمو بالروح وينعش الأفئدة والهمم، أنشد بواكيره الأولى منه في سنّ مبكرة، وفي شعره ظهرت فلسفته وحكمته وتصوراته، فألف اثني عشر ألف بيتا من الشعر جعلها في تسعة دواوين، معظمها بالفارسية وجزء يسير منها بالأردية، منها: ديوان الأسرار والرموز وصلصلة الجرس وجناح جبريل وهدية الحجار. وقد ترجم شعره جميعه إلى العربية، ومنه ما تُرجم شعرا بشعر بأسلوب شيق ماتع، ومن أشهر من ترجم له : محمد حسن الأعظمي الذي حرص على نشر العربية في الباكستان وعمل على أن تكون لغة القرآن ثقافة للمسلمين من كل أمة، والأديب الفذّ عبدالوهاب عزام، وكذلك الأستاذ الصاوي علي محمد شعلان إذ جعل بفنّه وأدبه وإسلامه فتحا روحيا أخرج به فنّ إقبال وتصوف إقبال وتدين إقبال وحكمته، وغيرهم.

يا بنيّ اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك..

ولإقبال مع القرآن حكاية، فقد تربّى على مائدة القرآن، غاص في بحرها، وحلّق في آفاقها، إذ نشأ في أسرة متدينة، تشرّب منها عمق التدين وحبّ القرآن، كان والده رقيق القلب نقي السريرة صوفيا، كلما مرّ على إقبال وهو يقرأ القرآن يقول له: "يا بنيّ اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك".

كان لوالد إقبال رحمه الله أثرٌ كبيرٌ في تكوين شخصيته الإسلامية المتدينة.. كان معلما وقدوة ومربيا حريصا على تنشئة إقبال تنشئة ترضي الله ورسوله.. يتحدث إقبال عن تربية والده له فيقول: جاء سائل، فطرق بابنا بعنف، فضربته بعصا على رأسه، فتناثر ما جمعه، فتألم والدي وسال الدمع من عينيه وقال: (يا بني غدًا تجتمع أمة خير البشر أمام مولاها، ويحشر أهل الملة البيضاء حكماؤها والشهداء والعلماء و العصاة ويأتي هذا السائل المسكين صائحًا شاكيًا، فماذا أقول إذا قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله أودعك شابًا مسلمًا، فلم تؤدبه بأدبي، بل لم تستطع أن تجعله إنسانًا، فانظر يا ولدي عتاب النبي الكريم ومقامي في خجلي بين الخوف والرجاء، أتفضح أباك أمام مولاه؟! يا ولدي كن برعمًا في غصن المصطفى، وكن وردة من نسيم ربيعه، وخذ من خلقه الطيب بنصيب).

وأمام هذه التربية الروحية العميقة نشأ إقبال محبا للقرآن عاكفا على فهمه وتلاوته واستخراج معانيه وتطبيقها قولا وفعلا.. يبحث فيه عن أسرار الحياة، ويجد فيه منهجا كاملا لها، ومفتاحا لكل معضلاتها، ونورا لكل ظلام، ويدعو المسلمين إلى تدبره والتفكر في آياته إذ هو نورٌ لكل ظلام، ويعتب عليهم إعراضهم عنه وهجرانهم له واكتفاءهم به للتبرّك في أفراحهم وأتراحهم فيقول:

"أصبح الكتاب الذي أُنزل ليمنحك الحياة و القوة، يُتلى الآن لتموتَ براحة وسهولة! "

وأنة السّحر لها حكاية أخرى..

وفي جوف الليل كان لإقبال دمعات وأنّات، وجد فيها ما يعدل الدنيا وما فيها بل وأكثر، كان عظيم التقدير لساعات الأسحار، يتحيّنها ليناجي ربه.. ويتعرض خيراتِ نفحاته.. ويبثه شكواه وحزنه.. ويتزود بنشاط روحي جديد.. وإشراقة جديدة.. مع كل ليلة..

كان يعتقد أن هذه الدقائق هي رأسُ ماله.. وتجديدُ روحه.. ونورُ فكره.. كان يقول في شعره:  "خذ منّي ما شئت يا رب! ولكن لا تسلبني اللذة بأنّة السّحر، ولا تحرمني نعيمها"

إنّه الحُبّ..

يرى إقبال في فلسفته أن عاطفة الحب أقوى من كل شيء.. كان رقيق القلب.. محبا شغوفا.. وما هو بذاك الحب الأرضي.. وإنّما حبٌّ من وحي السماء.. حب للعزة والكرامة والتضحية.. حب للإخلاص والإيمان.. حب لأن تموت على مبدأ العزة دون أن يذلك رزق أو حتى شربة ماء.. يقول إقبال:

هو الحبّ ينسيك وقع الجراح.. وتفضحُ سرّك آثارهُ

وما الحبّ إن لم متْ عزة.. وما العيش جلله عاره؟!

يجد إقبالُ الدين ممارسة قلبية.. إذ كان يؤمن بالقلب أكثر مما يؤمن بالعقل.. ويؤمن بالبصيرة فوق ما يؤمن بالبصر.. ويجعل الحياة الروحية التي تتفجر عاطفة وحبا فوق تلك المادية الجافة، فيقول في ذمّ مادية الغرب:

وما عدّهُ الغربُ سقطَ المتاع.. بمذهبنا.. رأس مال الظفر!

نعم كان متحيزا للقلب.. متحيزا للحبّ فقال:

مضى إقبالُ هونــا في دروب الفكر واجتازا.. فلما جاء دربُ الحبّ مال القلبُ وانحازا..

ومن تحيزه للحبّ يجد إقبال أنه قد ضل من زعم أن العلماء يتفاضلون بقوة العلم وكثرة المعلومات وزيادة الذكاء، أو أن الشعراء يتفاضلون بقوة الشاعرية وحسن اختيار اللفظ، أو أن المعلمين يتفاضلون بحسن الإلقاء واستحضار المادة الدراسية وكثرة المراجع... إنما يتفاضل أولئك كلهم بقوة الحبّ والإخلاص! فإذا فاق أحدهم الآخر فإنما يفوقه لأن الغاية أو الموضوع سرى منه مسرى الروح وملك عليه قلبه وفكره!

سرُّ الحياة..

كان إقبال شديد الاعتداد بالنفس، يرى أن العبد يسمو بها إلى درجة الملوك بل يعلوهم إذا كان جريئا مقداما، كان من أعظم الدعاة إلى النزعة الإنسانية.. يرى أن أسس الإسلام تتمركز حول النفس وفهم طبيعتها.. يجعل من فهمها مُلخّصا لفلسفته.. إذ جعلها تدور في فلكين اثنين: هما إثباتُ الذاتِ ونفيها!

أما نفي الذات: فيقصد بها صلة العبد بخالقه جل جلاله بعبوديته التامة له وخضوعه وذله وتسليمه وانقياده لطاعته..

أما إثبات الذات : فيقصد به صلة المخلوق ببني جنسه من المخلوقين ، إذ تقوم على فكرة إثبات الذات ورفض الهوان والرضا بالدون والدنية.

ومن جميل فلسفة إقبال أنه وصل الأضداد وربط بينها بمعادلة واضحة.. تجعل من العبد لله سيدا.. ومن الذليل لله عزيزا..

روحٌ لا بد لها أن تسري..

عاش إقبالُ حياته متيقظا لما حوله فاهما سر حياته، مؤمنا إيمانا عميقا بأنه صاحبُ رسالة، عارفا بواقعه واثق الخطوِ نحو غايته التي خلقه الله لها، حزينا على حال أمة المسلمين المتدهور، يتألم لذلك أيّما تألّم، ويرى أن مصدر هذا التدهور هو القلب الذي خوى من الإيمان وشعلة الحياة، فحرص أيّما حرص على بعث الروح من جديد في شباب العالم الإسلامي، فرغم أنه سافر وعاش في بلاد الغرب عمرا أثناء دراسته، وتعرّف على الثقافة الأوروبية وحضارتها عن كثب، إلا أن بريقها لم يسحر عينيه ولم يبهر لبّه، كان ثائرا على الحضارة المادية الغربية، داعيا إلى المجد الإسلامي وسيادة المسلم، وإلى التمرّد على عالم المادية الضيق والتطلّع إلى أجواء الروح الفسيحة.

إقبالُ عرف نفسه ثم سعى إلى بعث الحياة والروح في المسلمين، كان يدعو الله فيقول: "اللهم اجرح أكباد الشباب بسهام الآلام الدينية، وأيقظ الآمال والأماني النائمة في صدورهم، بنجوم سماواتك التي لا تزال ساهرة، وبعبادك الذين يبيتون الليل سجدا وقياما لا يكتحلون بنوم، ارزق الشباب الإسلامي لوعة القلب وارزقهم حبّي وفراستي"..

إقبالُ كان يبكي لشدة ألمه وحرقته للحال الذي آل إليه المسلمون، إلا أنه كان متفائلا بفجرٍ جديد سيبزغ، كان عميق الإيمان بأن الأمة ستنهض رغم الهوان، وأن الأمواج العاتية التي تضربها ستُظهر أروعَ لآلئها! فقال: "إن إقبال ليس يائسا من تربته الحقيرة، فإنها إذا سُقيت أتت بحاصل كبير".

هو الإنسان..

الإنسان الكامل في نظر إقبال هو الإنسان المسلم.. وليس هو أيَّ مسلم.. إنما هو المسلم "الذي يمتاز بين أهل الشك والظنّ بإيمانه ويقينه، وبين أهل الجبن والخوف بشجاعته وقوته الروحية، وبين عبّاد الرجال والأموال والأصنام والملوك بتوحيده الخالص، وبين عباد الشهوات بالتمرد على موازين المجتمع الزائفة وقيم الأشياء الحقيرة، وبين أهل الأثرة و الأنانية بزهده وبإيثاره وكبر نفسه، ويعيش برسالته ولرسالته".

ورحل إقبال..

وفي الحادي والعشرين من إبريل سنة 1938، رحل إقبال الفيلسوف الشاعر، الذي وهب عقله وقلبه للمسلمين والبشر جميعا! فاضت روحه في لاهور ورأسه في حجر خادمه القديم الوفيّ "إلهى بخش" وهو يقول :  "إنّي لا أرهب الموت، أنا مسلم أستقبل المنية راضيا مسرورا"

وكان مما نظمه في أشهر الأخيرة كذلك:

آية المؤمن أن يلقى الردى.. باسم الثغر سرورا ورضا

وقفة..

قُلتَ يا إقبالُ مرّةً: "إن أعمالي ستخلّد وسترون أن كل معنى أرسلته في قصائدي ستحمله اللغات بعضها إلى بعض، ولكنّي أريد أن يترجم كلامي إلى العربية أولا وقبل كل شيء ليصل إلى العرب صوتي وليفهم العالم الإسلامي أسرار قلبي"..

نعم.. قد وصَلَنا يا إقبال، وكأننا الآن بك تنعم في رضوان الخلود وتتنسّم روحك الاطمئنان على ذلك الأمل الذي نبض به قلبك حتى آخر لحظات حياتك..

ألا سبحان من أجرى الفهم على لسانك يا إقبال و فجّر من قلبك الشفّاف ينابيع الحب ، فجعلت منها نهرا دفّاقا أبدعتَ به كلماتٍ تُحيي قلوبا صَدِئت و تروي أرواحا عطشت..

رحمك الله يا إقبال.. ورحم روحك التي سرت فينا وأقبلت بقلوبنا عل بارينا تطلبُ عزّ عبوديته.. 

ألا سبحان من خلق من كل شيء زوجا.. وجعل لكل زوج ضدا.. وأراد لعبده أن يحيا الأضداد كلها باتزان وسمو ورفعة وعلو.. خلقه من ضدين ذكر وأنثى.. وأسكنه أرضا ليرفعه سماءً.. أراد له العبودية بحذافيرها طوعا وسمعا وإذعانا وخضوعا حال مناجاته ليكون سيّد الدنيا وما فيها ومن فيها بعز العبودية تلك رفعة وملكا وقوة..

ألا سبحان مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي.. ألا سبحان مخرج العز من العبودية ومخرج العبودية من العز! ألا سبحانك ربي يا من جمعت الأضداد كلها..

ألا رحم الله ذاك المسلم الإنسان.. وأنار روحه وقبره إذ أسرج نفسه وأضاءها ليبعث النور في الأجيال بعده بعذب حديثه شعره ونثره وقوة إيمانه وحُبّه..

مصادر المقال: 
روائع إقبال لأبي الحسن الندوي
فلسفة إقبال والثقافة الإسلامية في الهند وباكستان، أمين الخولي
محاضرة : محمد إقبال عربيٌ ذو لحن حجازي للدكتور محمد الشنقيطي