رواية الأم (جئت إلى العالم كي أحتج)

صورة ليلى زيرق

الكسي مكسيموفيتش بيشكوف مؤلف وأديب روسي ماركسي، (ولد في 1868 وتوفي 18 يناير 1936 )أخذ من مرارة واقعه اسمه "غوركي"، التي تعني مرارة بالروسية .

أسس مدرسة الواقعية الاشتراكيه فى الأدب الروسي، الذي يهدف في مضمونه لخدمة المجتمع، فقد كان لا يعتقد بالأدب من أجل الأدب.

استهل روايته في رسم شخصية الأب الظالم الذي يضيع مال وشباب العائلة ، وهو في حقيقة الأمر بدأ في وصف الفساد والاستدلال عن مكانه في رمز الأب الذي يعني المسؤول الصغير الفاسد.
الفساد على نطاق العائلة يوصلنا إلى نطاق الدولة ،ولخص الواقع في صورة بشعة :"لقد أحالوا الناس بنادق وهراوات، وحجارة،وقالوا: هذه هي الدولة."

ومنها انتقل بنا للوحة أكثر قتامة ونورا وهي طبقة العمال الكادحة في بلاده.
فإذا كانت تعاني من البرد وقسواة الطقس الروسي فهي أيضا تكتوي بظلم الطبقة التي تتحكم في مصير البلاد والعباد جميعها وهم " البرجوازيون" أصحاب الأملاك والمصانع والعقارات والحياة أيضا.

لكن غوركي لم يغدق أبطاله في أقداح الخمر والجمر كغيره من كتّاب روسيا، بل كانت له نظرة مستقبلية مشرقة، فقد حرك أبطاله جميعهم حتى الأمييّن منهم إلى نهضة تخدمهم تزيل عنهم غشاوة الضعف وتوقظ فيهم حب الغد الذي لن يجئ إلا بهؤلاء العمال وقوة إرادتهم.
" لن تستطيعوا مهما فعلتم أن تقتلوا روحاً بعثت من جديد".

بطل الرواية " بافل" كان شابا، وكذلك تبدأ الثورات بالشباب، فهم وحدهم من يؤمن بالغد لأنهم من يصنعه، بدأ يحذو حذو والده المتوفي،أدمن بنت الكرمة وتحطمت آماله لكثرة خيباته،وجاءت من الأم تلك الكلمة التي لم تغير مصيره ومصيرها فقط بل مصير بلد بأكمله:
" أنت بشكل خاص يجب ألا تقرب الخمرة، فقد شرب والدك عنك وأذاقني كؤوس العذاب، فترفق أنت بي."
(أنت بشكل خاص)، لهذه العبارة وقع دقات المستقبل وهو آت ، فالأم وحدها تعرف من يكون ابنها وما سيكونه، هو بشكل خاص قاد المقهورين لبر الثورة التي نزعت من قلوبهم الخوف وبهذا صنع معهم مصير بلادهم .

هنا، فجأة يتغير الإبن لرجل عاقل يبحث عن درب ما، هو وحده يعرف إلى أين يؤدي، يصادق الكتب وتصادقه السرية ، الأم لم تعد تعرف ابنها وتحولاته المتناقضة .
لم يكن الإبن الملحد ندا لأم مؤمنة ،رغم فشلها في أن يرق قلبه للإيمان، إلا أنه لم يفشل هو في دعوتها للايمان بما يعتقد." الفكرة" ،الفكرة العظيمة وحدها دين يعبد كما قال بافل.

رسم مكسيم ملامح الماركسية الواقعية في تفاصيل وجه الأم،مرأة لا تكتب ولا تعرف أي نوع من القراءات قد أدمن ابنها،لم تكن الأم والدة بطل الرواية فقط، بل هي كل شخص يلد الفكرة أو يحتضنا ويرضعها ويربيها ويسهر لحمايتها لتكبر وتظهر للعالمين.
"الأمهات هن فقط القادرات على التفكير في المستقبل لأنهن ينجبنه من خلال أطفالهن."

الأم تخطت ذلك المفهوم المتعارف عليه،لكنها أخذت منه حنوها ،وحنانها ،وتعبها من أجل الغد.
الأم هنا ربما كانت الوطن أو المخرج أو المنقذ لكل شئ يحاول ويكافح مليا لكي يستمر في الحياة.
أصاب الابن حين قال، أن ما ينقص الأمييّن لكي يعرفوا حقوقهم هو الوعي وليس العلم، فبعد أن استمعت أمه لجلساته السرية مع أصدقائه ، بدأت تتشبع بما قالوه ليلة بعد ليلة.

شق بافل وشركاه طريق الثورة، طريق التغيير بثوا أفكارهم في تلك الطبقة القوية بإيمانها بالفعل،الضعيفة الصاغرة تحت إمرة البرجوازيين الذين لا يعرفون معنى للرحمة، وكأن العمال لم يصلوا لمصاف البشر عندهم.

"دائماً نحن أول من يعمل وآخر من يعيش، في كل مكان. مَنْ مِنَ الناس يهتم بنا؟ أو يريد خيرنا؟ أو يعاملنا كبشر مثلهم؟ لا أحد".
كان بافل بطل الثورة ، كأي ثائر في هذا العالم يحتاج لسند يرشده ، يُعلّمه، يخلفه عندما يغيب، بغيابه في المنفى، لم تترك الأم جهد ابنها يفنى، بل كافحت من أجل أن تصل كلمة الحق للجميع، لبرد روسيا قبل بشرها واستمر نهجهم وإن غابوا.
" عليك ألا تحزني، ولكن يجب أن تفرحي. أي متى يا رب يكون عندنا أمهات يفرحن في حين يرسلن أبناءهن إلى الموت من أجل الإنسانية؟".
شكلت رواية " الأم" تاريخا ومستقبل، بدأت بنشر الوعي في العمال، الوعي الذي يُثير فيهم حقوقهم كبشر، هم خلقوا لينعموا لا ليتعذبوا.
من هذا المنطلق ضحوا بكل شيء ، فقد زرعوا بذور التغيير وسقوها بدمائهم لتنبث ثمارا حلوة لأبنائهم في المستقبل.

لم تُكتب الرواية لعمال مضطهدين في مصنع بارد في روسيا، بل كانت رسالة للعالم أجمع، فحيث وليت وجهك فثمة البورجوازي والفقير، هناك الظالم المظلوم ، هناك الثلج والجمر، وهناك أيضا الإرادة والوعي والانتصار.

وهذه هي وظيفة الأدب الاشتراكي الواقعي فهي تؤلف بين القلوب وبين مختلف الألوان والأشكال والأعراق البشرية ،وهو أدب يحمل رسالة عالمية ،ويدافع عن قضايا فقراء وكادحي العالم بأسره ، أدب يناهض الظلم والاستغلال في كل مكان.

اتقن مكسيم صنع دور الأم وهو اليتيم الذي حرم من أمه في سن العاشرة، تربى في كنف جدته التي زرعت فيه فن القصص وهو صغير، وحده من أجاد إيصال المحرومين في بلاده إلى حيث يعيشون بإنسانية.

أبطال مكسيم يتخبطون في اليأس سكارى يدمنون الألم يفترشون البرد يلتحفون الاضطهاد، لكنهم لم يسمحوا لليأس أن يقيم بينهم، لم يشعلوا أخشاب اليأس كأبطال الكتاب الروس الآخرين وحرقوا غدهم بها.
"كلما ذاق المرء المزيد من المرارة زاد جوعه لمباهج الحياة."

أسس مكسيم غوركي للأدب الاشتراكي الواقعي، فقد كان يؤمن بمشاركة الإنسان لأخيه الإنسان في مكافحة الظروف العصيبة والواقع المعاش، لم يكن كاتبا يبث النهايات الحزينة في مسار أبطاله، فدائما ما كان يخبئ شمعة في جيب أحدهم وكبريت.
حاك غوركي روايته وكأنه خياط مسن ،يملك من الخبرة أكثر ما يملك من الأيام، يجيد لف التفاصيل وكشف العيوب وترقيعها، يعرف تماما كيف تزرر القمصان العتيقة، فالوصف الدقيق يشعر القارئ وكأنه ذلك العامل البائس وراء آلة متوحشة تمتص عمره وصحته أمله وطموحه، هنا يصف لنا المصنع بدقة متناهية :"لقد استهلك المصنع النهار بأسره، وامتصت آلاته من عضلاتهم ما تحتاجه من قوة. ويمر اليوم على هذا المنوال، دون أن يخلف أثراً، ويتقدم المرء خطوة جديدة في اتجاه لحده."
وهناك العديد من هذه الصور المتصاحبة بكد البطل لشق طريقه نحو الوعي، فهو بفكره وعمله الدؤوب استطاع أن ينقذهم من فتك تلك الوحوش التي يعملون معها.

في تصويره هذا ، لم يكتفي بالتحدث عن عمال في مكان ما في تلك البلاد الباردة القصيّة بل شمل كل عُمّال العالم ، أولئك الذين يقضون نصف عمرهم في العمل دون جدوى،رواتبهم زهيدة، حياتهم بائسة ،مرضى لا يحلمون بالشفاء، يعملون فقط من أجل لقمة ربما لن تكون سائغة بعد تلك الشتائم التي يتلقونها من أصحاب العمل.

كان مكسيم الطبيب المحرّض، الذي يمسك بالنصح في يمناه وبالمشرط في يساره، يصرخ ويعاتب ويهدأ ليتفوه بالحكمة:اعملوا من أجل الحرية وهي تطعمكم الخبز، وتهبكم الحياة، ان حياتكم لتافهة."
رسمت رواية " الأم" لون بطولي متكامل،يؤدي للإجماع بين الثوريين، بإختلاف توجهاتهم، ومكانتهم الإجتماعية،نشأتهم،ومعتقداتهم؛البطل ملحد، الأم، أمية مؤمنة، الحبيبة برجوازية، الأصدقاء مثقفون متعلمون، العمال فقراء ، لكنهم يجتمعون في إطار الكفاح المسلح بالتفاؤل.

كانت رواية الأم أفضل من جمع المتناقضات، في وصف الكاتب للطبقة الغنية وفسادها وظلمها وفضائحها كأنه منهم، وبالعودة للعمّال وكدحهم في المصنع كآنهم عامل بائس.
فتاريخه وحده من اقتاده للتفوق بالكتابة، فقد شرب كأس الذل واليتم وعرف معنى أن تكون وحيدا بلا مأوى ،جائعا بلا خبز ،يتيما بلا حضن.

قال النقاد عن روايته الأم أنها إرهاصات الثورة البلشفية، بل هي الثورة في حد ذاتها، كأنه كشف الستار عن المستقبل.
لن يكشف أحد روعة " الأم " إلا حين يحتضن الرواية ويقرؤها.

ملف النهضة: