د. جاسم سلطان لـ"الشرق": الأمة الإسلامية تمر بتغييرات كبيرة تمهيداً لتحقيق ما عجزنا عنه

صورة د.جاسم سلطان

قال الدكتور جاسم سلطان المفكر القطري الاستراتيجي، مهندس مشروع النهضة، الذي انطلق في شكل سبعة كتب تأسيسية وموقعٍ معبر عن الفكرة: ان الأمة الإسلامية تمر بمنعطف تغييرات كبيرة جداً تحمل الكثير من التطور لتحقيق ما عجزنا عنه في حقب تاريخية مختلفة.. وأكد في الحوار الذي أجرته معه "الشرق"، وتنشره على حلقتين "أننا لن نستعيد الدور الحضاري للأمة الاسلامية إلا إذا كنا نعمل ونتقدم في العلوم"، مشيرا إلى أن المسلمين يختلفون في رؤية الهلال بالعين بينما غيرهم موجودون على ترابه ويقيمون فوقه المختبرات ويجرون الأبحاث، لافتا إلى أن هذا هو الفرق بين عقليتهم وعقليتنا.

وأوضح الدكتور جاسم أن بناء الذات المسلمة أمر يستلزم فهم الدين وقضايا العصر الذي نعيش فيه، كما يستلزم تنظيم العقل المسلم، وقال نحن بحاجة للبحث عن الجذور العميقة التي حولت الدين من نقطة ارتقاء ونهضة إلى ركود في البيئات المتدينة.. وفيما يلي نص الجزء الاول من الحوار:

* كيف ترى واقع الامة الاسلامية اليوم بالنظر الى التحولات التي حدثت في الكثير من البلاد العربية والاسلامية؟

ـ إن الأمة الإسلامية تمر بمنعطف كبير جدا من التغيرات وهذه التغيرات تحمل معها ـ إن صح التعبير ـ أعمالاً كبيرة جدا فيها تطور وتقدم وتحقيق ما عجزنا عنه في التجربة الناصرية والتجربة البعثية والتجارب السابقة.. وتحمل معها إشكاليات اللحظة واهتزاز الأنظمة والقلق الذي يصاحب هذا الاهتزاز وسقوط الأنظمة، ومحاولات البدء من جديد لتأسيس دولة جديدة، لذلك كل أعراض الأمل موجودة في نشاط الشعوب وأعراض القلق موجودة في صعوبة الاوضاع التي بعد سقوط الأنظمة أو تغير الأنظمة الموجودة في المنطقة العربية.. لكن هي على كل حال حالة جديدة جداً جزء من هذا المشروع العربي الذي توقف في محطات ليبدأ محطات جديدة.. فلما فشلت تجربة محمد علي باشا ولدت تجربة عبدالناصر ثم وئدت، فظهرت بعدها التجربة البعثية، ولما فشلت هذه الأخيرة ها نحن في مرحلة جديدة مع قوى جديدة في محاولة جديدة وفي حراك جديد.

* ويبدو أن هذا الحِراك الجديد الذي أشرت إليه هو حِراك إسلامي في عصر جديد أليس كذلك؟

ـ لا أعتقد أنه عصر أحد أو حركة بل هو عصر الجماهير، وهذا فرق كبير جدا عن التجارب السابقة التي جاءت بانقلابات لصالح قوى محددة، استأثرت بالسلطة ووضعت مشروعها باعتباره مشروعا مقدساً ستشرف على تنفيذه شاء الناس أم أبوا.. والتجارب الجديدة هي تجارب ديمقراطية.. فإذا فشل الإسلاميون في أي مرحلة من المراحل كقيادات لإنتاج تحولات قصيرة الأمد التي لا تريدها الجماهير، ستأتي قوى ثانية تحل محلها. فهو تغير جذري هو عصر الجماهير، وليس عصر التنظيمات.

الجماهير تحررت

* ولكن الحركات الاسلامية التي ظهرت الآن وتحكم في مصر وفي تونس وفي السودان من قبل، جاءت نتيجة الحركات الجماهيرية؟

ـ الواقع أن هذه الحركات انتخبت.. فإذا نظرت للتجربة المصرية ترى أن الاخوان المسلمين فازوا بـ 35 مليون صوت في الانتخابات الأولى لاختيار أعضاء مجلس الشعب، وفي الانتخابات الثانية حصلوا على خمسة ملايين.. أي 30 مليون تبخرت خلال ستة شهور، وهذا رسالة كبيرة جداً مفادها أن الجماهير ليست في جيب أحد.. وبالتالي هي تستطيع أن تزيح من لا تراه أهلاً، وتأتي بمن تراه أهلاً، ولن يستطيع أحد مرة أخرى أن يعيد فكرة الركوب على ظهر الجماهير إلى ما لا نهاية، لا إسلاميين ولا غيرهم.

* معروف عنك أنه لديك برنامج مميز قدمته في العديد من الدورات، وهو: "كيف نفهم ديننا"، ما هي الفكرة الرئيسية في البرنامج؟

ـ نحن كأمة إسلامية الكل يقول: إن الاسلام يمتلك كل عناصر القوة لبعث الأمة، ومع ذلك فإن واقع الأمة يبدو مترديا ولا يبدو في شكل يسمح لنا أن نقول أن الإسلام أنتج في هذه البيئة فواعله، على الأقل من القرن العاشر الميلادي حتى الآن، وهي مدة طويلة جداً من القرن العاشر ونحن الآن في القرن الحادي والعشرين..

ومع ذلك فان السؤال الذي يخطر في البال ما الذي أفقد الدين فاعليته؟ فالدين هو الدين هو القرآن وهو السنة.. ولكن ما الذي جعل الدين لا يعود ولا يعمل في البيئات؟.. وإذا نظرت إلى أكثر البيئات تخلفا مثل أفغانستان أو دولة مثل موريتانيا على الأقل بمقياس الدخل العام للمجتمع.. أما مقياس التدين والحضور للمساجد وحفظ القرآن وتلاوته ستجده عالياً جدا.. إذن ما الذي يجعل هذه المجتمعات التي نجد أن الدين فيها محفوظ في القلوب، والناس أكثر التصاقا به وأكثر تمسكا بشكلياته ما الذي يجعلها متخلفة؟ إذن حدث شيء داخل إطار الثقافة الدينية، أفقد الدين فاعليته. لذلك نحن محتاجون للبحث عن هذه الجذور العميقة التي حولت الدين من نقطة ارتقاء ونقطة نهضة، الى نقطة ركود وسكون في البيئات المتدينة.

شروط العصر الجديد

* كيف نستطيع أن نبدأ بالدين عصراً جديداً؟

ـ نستطيع أن نفعل ذلك إذا استطعنا أن نكتشف هذه الجراثيم التي أوقفت فعاليات الدين في مجتمعاتنا، وهذا الاكتشاف هو جوهر حزمة "اِفهم دينك".

* لديك أفكار متقدمة جدا حول عناصر كيفية بناء الذات المسلمة، وجدت هذه الأفكار ارتياحا من قبل العديد من المفكرين، ما هي هذه العناصر؟

ـ أول قضية رئيسية يجب أن نقف عندها هي نحن أبناء مجتمعات إسلامية، وبالتالي فان "فهم الدين" يأتي في مقدمة القضايا التي يجب إعادة تحريرها، ليس باعتبار الدين أمراً مسلما به، ونقول: إن الدين موجود في حياتنا فنحن نصلي ونصوم وهكذا.. اذن لابد أن ننظر فيما نتدين؟ وكيف نتدين؟ هذه قضية أولية أساسية لفهم قضايا الاسلام التي يمكن أن تصعد وترتقي بنا.. والمسألة الثانية المهمة جداً هي فهم قضايا العصر.. إذ إن الدين لا يعمل في فراغ.. مثلا: مهما كانت رغبة المصريين في ان يخوضوا حربا مع اسرائيل واذا كانت أسلحتهم ونظام التسلح أمريكياً. فالطلقة تأتي من الولايات المتحدة الامريكية والخبز والطعام يأتي من هذه الأمريكا ومن غيرها، فمجرد التفكير في الحرب مع اسرائيل يبدو في منتهى الغباء..

ومن ثم لابد من فهم العالم الذي نعيشه.. واليوم نحن كمسلمين نختلف: هل يمكن ان نرى الهلال بالعين ام لا يرى بها؟ بينما الامريكان والروس والهنود والصينيون صعدوا الى القمر نفسه، ونزلوا فوق أرضه وهم لا ينظرون اليه من بعد، ويختلفون هل هو موجود ام غير موجود؟ ونحن ما زلنا نختلف هل نراه بالعين ام بالمناظير؟ هذا هو الفارق بين الحضارات الذي يجب ان يدخل في وعي المسلم.. يجب ان يفهم الدين وان يفهم العصر فهما جيداً.. والمسألة الثالثة مهمة جداً وهي ان يكون عقل الانسان منظماً.. فكم المعلومات التي عندنا اليوم هو كم ضخم جداً، ولكنه يدخل وليس له إطار يحتويه وينظمه.. وكم المعلومات الدينية التي عندنا اليوم الصحابة رضوان الله عليهم أنفسهم لم يسمعوا بها.. لا أعتقد ان احدا سمع كم من الوعظ الذي نحن نسمعه يوميا من الصباح الى المساء، هذا بصرف النظر عن الفتاوى والآراء الدينية.. على كل حال تنظيم الخريطة المعرفية مسألة مهمة جداً.

والمسألة الرابعة هي حسن ادارة الحياة.. فاذا لم نعرف كيف نخطط وننظم ونوجه ونعمل مؤشرات؟ اذا لم يحدث هذا فان العمل الذي يتم في يوم يمكن ان يحدث في عشر سنوات.. ما نحن نعمل ليس مهماً الزمن فيه، وليس مهماً التنافسية، وليس مهماً الاحسان، وليس مهماً الجودة وليس مهماً الاتقان.. هذه القضايا الرئيسية لابد ان تدخل في وعي الانسان المسلم اليوم اذا كنا نريد ان ندخل في التنافسية العالمية كمسلمين..

واذا كنا نريد ان نستعيد الدورة الحضارية التي فقدناها فهذه لها شروط، واذا لم تتحقق فينا كيف نعيد الدورة. فالقرآن الكريم جاء صريحا اذ قال تعالى: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزى به"، فنحن ليس عندنا مخرج وليس لنا مع الله سبحانه قرابات وليس بيننا وبينه نسب فنحن عبيد له.. هناك قوانين يسير عليها كل البشر.. اذا عمل غير المسلم بالعمل الجيد سيجد نتائجه، واذا عمل المسلم بالعمل السيئ سيجد نتائجه: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزى به"، قولاً واحداً.

اذن الأمة الاسلامية مهيأة للنهوض ولديها دستور وهو القرآن، ولكن العبرة في العمل به.

نحن باستمرار كنا نتجه لأن نقول ان السبب خارجي.. فنقول ان الحاكم ظالم او بسبب طغيان خارجي وباستمرار كنا نتجنب أن نتكلم عن الضلع الثالث الذي هو "نحن" كمسلمين.. فاليوم أكرم الله القراء — لو شخص وألقاها في الشارع، وقال: إن الغرب امره بذلك او ان الحاكم أمره بذلك فهو يكذب كذبة كبيرة جداً وفرية كبيرة جداً، وهذا بإمكانه ألا يفعل مثل هذا الامر، لكن نحن نلقي كل الأعباء على جهات أخرى.. والضلع الثالث الاساسي هو الانسان.. كيف يتصرف؟ وكيف يفعل؟ وكيف يتحرك؟ هذا مرهون بشخصه.. وبالتالي الثلاثة الأضلاع مهمة: أن نتخلص من الاستعمار، وان يصلح النظام السياسي الموجود في المنطقة العربية حتى يمهد للناس عمليات التقدم، وان نصلح الإنسان نفسه.. واذا لم نغير الانسان وهو الضلع الثالث في المثلث لن يكون لدينا مثلث وعندها يصبح عندنا شكل لا معنى له من ضلعين.

علماء خارج العصر

* الأمة تنتظر الحلول من علمائها، ومن علمها الشرعي فكيف حالها اليوم، وكيف يتم إعدادهم لهذه المهمة الجسيمة؟

ـ عندنا مشكلة ضخمة جدا في هذا الجانب.. يفترض ان مِلح الطعام هم العلماء والعلماء يمرون بعملية تجهيز عبر مراحل عمرهم، ومن ضمنها دخولهم للمدارس ودخولهم للجامعات التي تدرس العلوم الشرعية.. وهذه الجامعات التي تدرس العلوم الشرعية يدخلها الطالب من الثانوية العامة، وربما يكون حافظاً لكتاب الله أو أجزاء منه حسب شروط الجامعة التي يدخل فيها وعندها ينحبس داخل العلوم الشرعية القديمة، التي أنتجت في القرن الخامس الهجري والرابع الهجري، وهو يحسب انه في العصر بينما هو خارج العصر، وعندما يخرج الى الحياة العامة يخرج وعنده ترسانة كبيرة من أفكار القرن الخامس الهجري والسادس الهجري، ويخرج لعالم تغير تغيراً جذرياً عن القرن الخامس الهجري والسادس، ولكن اليوم دخلنا في عوالم لا حدود لها من التحولات.. يكفي الانسان ان يدرس ماذا حدث في العلوم الطبيعية وماذا حدث في العلوم الإنسانية؟ حتى نردم الفجوة التي حدثت بيننا وبين الامم الاخرى.. ونعيد مرة ثانية الحديث حول مسألة رؤية الهلال الذي نختلف عليه نحن هو في الافق ام غير موجود، والقوم المتقدمون يجلسون عليه ويقيمون المختبرات فوق ترابه فهذا الفارق الحضاري لا يدخل في وعي العالم الذي يتخرج ويصبح إماما يقول للناس ما في الكتب القديمة، ولا يدرك ما في الكتب الحديثة من معارف فيفصل جمهوره عن العصر.

نحن نريد اليوم أن نفتتح بالدين عصراً جديداً ونحتاج أن نفهم العصر ثم نشغل منظومتنا القيمية للدخول فيه.. فالشيخ الغزالي لخص هذه المعادلة بشكل بسيط فقال: "وددت لو ان طالب الشريعة يمضي السنتين الاوليين من دخوله في دراسته في تعلم العلوم الانسانية، ثم يدخل العلوم الشرعية حتى يرى العالم اولا ثم يعرف الدين بعد ذلك، لأنه عندها يستطيع ان يعمل هذا المزج المبدع بين احتياجات العصر وبين مقولات الدين، أما اذا فصلناه مثل ما يحدث الآن.. الإسلاميون كثيرا ما يعترضون على مسألة العلمانية لكن نظام التدريس هو نظام علماني.. فالطالب يدرس ديناً ولا يدرس العصر، ونحن نقول: إن الإسلام فيه الدين وفيه الدنيا.. لكن في التدريس ندرسهم الدين ولا ندرسهم الدنيا فهو وجه آخر من العلمنة باسم الدين.

عدد من علماء الغرب الذين أسلموا مثل جارودي وغيره جاءوا إلى الدين بعد أن قطعوا شوطا بعيدا في العلوم، كان أكثر فائدة واقناعا، هل لأنهم درسوا العلوم أولا ثم درسوا الدين؟ هذا هو الذي عناه الغزالي منذ الستينيات، وله مقولة طريفة جداً: "الحمد لله الذي جعل الاسلام ينتشر رغم أنف المسلمين، ويعني ان الإسلام ينتشر بقوته الذاتية أما جهود المسلمين فتبدو في الاتجاه العكسي باستمرار..

أنا كنت في الدنمارك وجاءني بعض الإسلاميين الناشطين بكتاب يبشر الغرب أن جيوش المسلمين قادمة إليهم لفتح بلادهم.. فهذا الإنسان كداعية جاء لاجئاً إلى بلاد الغرب، والدنمارك تنفق عليه وعلى عياله وهو يبشرهم بأن بلادهم ستحتل قريباً، وعليهم أن ينتظروا هؤلاء الفاتحين الجدد ليحتلوهم، وعندها سيرون كيف أن الإسلام يحكمهم!؟

هذا النمط من التفكير وهذا النوع من إرسال الرسالة يخصم من رصيد الإسلام ويخصم من فعالية الدين وتحركه بين الأمم، لكن مع ذلك هذا الإنسان يعتقد أنه يخدم الدين.. فهولاء الشباب الذين قتلوا ستة عشر شاباً في سيناء مصر قريبا إذا صدقت الأمور أنهم من الإسلاميين وهذا ليس ببعيد بسبب نشوء التيارات التكفيرية.. هل هؤلاء الشباب يعتقدون أنهم دعاة؟.. صحيح أنهم قلة لكن نوعية الأفكار التي ينادون بها منتشرة انتشاراً واسعاً في الفضاء العام التداولي.. وبالتالي نحن إذا كنا فعلا نريد العبور إلى عالم جديد، فإننا نحتاج إلى مراجعات كبرى، وهذا هو الذي يقوله الغزالي عليه رحمة الله.

وأرجو أن ألفت هنا إلى أن الخطاب الوعظي المعاصر يعاني من آثار العصور، حيث تنتشر فيه قضايا موروثة من عصور الجهل تجعل العلاقة بالدنيا علاقة مذمومة، وقد دعت لحشد النصوص فيها اختلالات ناشئة في تلك البيئة، ثم تضاعفت بالتحول لفضاء فكر التصوف، وما شابه من مزيد من الإغراق في التزهيد في الدنيا، وهي أمور قادت لعكسها في عصرنا الوعظي. كما أنه يتم تناول الكثير من الأمور في السياسة والاقتصاد والاجتماع بطريقة مسطحة تسهم في تسطيح العقل المسلم.

* أين وصل العمل في موقع الدفاع عن الرسول صلى عليه وسلم: "رحمة للعالمين"، خاصة وأنه موقع تتطلع إليه الأمة لإبراز السيرة النبوية؟

ـ أعتقد أن العمل توقف بخروج الدكتور يوسف القرضاوي من إسلام أون لاين، وبعد ذلك لم أسمع عن المشروع مرة أخرى.. أين وصل وماذا حصل له؟ وعندما كنت في لجنة التوجيه الاستراتيجي في إسلام أون لاين لم يمر علي مشروع "رحمة للعالمين".

--------------------------------------

أجرى الحوار من جريدة الشرق القطرية محمد دفع الله.

ملف النهضة: