من شافيز إلى مرسي والمرزوقي

صورة ياسر الغرباوي

 

تتحكم دول المركز (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ) في السياسيات المالية لدول الأطراف من خلال الثالوث المتمثل في البنك الدولي الذى أُنشىء فى عام 1944 ومنظمة التجارة العالمية التي أنشئت عام 1995 وصندق النقد الدولي1945؛ بهذا الثالوث ُتفرض الشروط على القروض الممنوحة لدول الجنوب الفقيرة، فلكى تحصل الدول الفقيرة على قروض من صندوق النقد الدولي لابد أن تكون عضوا في البنك الدولي، ثم تلتزم بشروط صندوق النقد الدولي، وربما يستلزم الأمر أن تمر على نادى باريس من أجل جدولة ديونها، وبالتالي تكون دخلت نطاق هيمنة دول المركز القوية والمتابع للشأن الاقتصادي العالمي يُدرك أن معظم الدول التي دخلت فى شروط صندوق النقد الدولي وتعاملت معه مازالت تعانى أوضاعا اقتصادية سيئة انعكست سلباً على المجتمع داخل هذه الدول وخاصة الطبقات الفقيرة والمهمشة التي تأثرت بشكل مباشر بشروط صندوق النقد الدولي .

 

الحدث الكبير

 

رغم هيمنة هذا الثالوث على الاقتصاد العالمي؛ وقع حدث ذو دلالة عظيمة فقد اجتمع في بونيس ايريس عاصمة الأرجنتين في العاشر من شهر ديسمبر تحديدا يوم 10 /12/2007 ستة من رؤساء من دول أميركا اللاتينية لكي يعلنوا رسميا قيام مؤسسة مالية جديدة باسم «بنك الجنوب» كان يدعو إليها ويلح عليها منذ سنة 2004 هوغو شافيز رئيس فنزويلا، البنك الجديد بدأ برأسمال سبعة بلايين دولار وشاركت فيه فنزويلا والبرازيل وبوليفيا والإكوادور والأرجنتين والأوروجواي وباراجواي، ومهمته تمويل المشاريع الإنمائية في المنطقة بما سيساعد أمريكا اللاتينية على التحرر من سلاسل التبعية المالية للغرب ،وكانت هناك إرهاصات سبقت هذا الحدث تمثلت في التالي:

1- محاولة مهاتير محمد عمل بنك اقليمي في أسيا دعا إليه في وقت رئاسته لحكومة ماليزيا وحاربته أميركا بشدة مانعة اليابان من التجاوب مع فكرة إقامة ذلك البنك الإقليمي الأسيوي

2- انسحبت فنزويلا من البنك الدولي وصندوق النقد الدولى بعد أن سددت كامل ديونها المستحقة عليها

3- طردت بوليفيا ممثلي البنك الدولى وصندوق النقد بعد أن خضعت لهما لمدة عشرين سنة.

 

دلالات الحدث

 

أولاً: بنك الجنوب ولد في قارة كانت تعتبر الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الامريكية، ولكن ميلاد هذا البنك بالإضافة لوجود تيار عام معادى لسياسيات الولايات المتحدة على مستوى زعماء وشعوب القارة خاصة في كوبا وبوليفيا ربما يعنى إلغاء هذه النظرية (أن امريكا الجنوبية الحديقة الخليفة للولايات المتحدة )

ثانيا: بنك الجنوب يمثل بديلا عمليا وواقعيا للبنك الدولي وصندوق النقد وهدفه واضح وهو دعم مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الُمؤسسة .

ثالثا: بنك الجنوب جعل الدول المؤسسة له تغادر استراتيجية رد الفعل، لتحجز مقعدا كبيرا فى نطاق الفعل وصناعة الاحداث.

رابعا: نجاح هذه التجربة سيُغرى أقاليم أخرى لخوض التجربة وطرح بدائل ذكية وفعالة تعالج المشاكل الاقتصادية بعيدا عن سياسيات صندوق النقد الدولي.

 

المحطة العربية

ومن المناطق المرشحة والمؤهلة لتقديم تجربة اقتصادية جديدة المنطقة العربية فى ظل ثورات الربيع العربي، وبروز تيارات الإسلام السياسي التي تتدعي امتلاكها لنظرية اقتصادية لا تقل كفاءة عن اقتصاد السوق الحر من حيث توفير العدالة الاجتماعية لطبقات المجتمع المعدومة، فالتحدي الاقتصادي أخطر مهدد لنجاح ثورات الربيع العربي، والفشل فى تحقيق مستوي من التنمية والتقدم يُرضي الجماهير العربية الغاضبة التى كان ومازال شعارها "عيش، حرية، كرامة إنسانية" سيعني تجدد الثورة من جديد.

 

وقد أطل التحدي الاقتصادي برأسه بشكل حاد في كل من مصر وتونس واليمن، ولمعالجة هذا التحدي ينبغي عدم تكرار أخطاء الأنظمة الاستبدادية البائدة والتي عاشت دهراً من الزمن على سياسية القروض والمنح والرضوخ للقوي الاقتصادية الغربية؛ فانتشرت البطالة والفساد وسوء توزيع الثروة ،فالعودة إلي سياسيات صندوق النقد الدولي من جديد لن ينتج واقعا تنمويا جديداً في الساحة العربية ،إنما المطلوب هو الاستفادة من درس بنك الجنوب في أمريكا اللاتينية وعمل مقاربة عربية لهذه التجربة الاقتصادية ومحاولة تطبيقها بين بلدان الربيع العربي خصوصا بين مصر وتونس وليبيا واليمن ودولة قطر ذات الفائض المالي الضخم والداعمة لربيع الثورات العربية.

 

ملف النهضة: