داروين..كفر عقله العاجز ولم يؤمن قلبه الملحد

صورة حمد الإبراهيم

 

 

أرنب وديع، يأكل في أمان بعض الحشائش، ولا يدري بالثعلب المتربص، وهؤلاء الفتية مع أبيهم يرقبون المشهد، ويحرص أبوهم على عدم إحداث أي صوت والمراقبة من بعد لرؤية ما الذي سيحدث !! في ثواني انقض الثعلب على الأرنب والتهمه، صرخت إحدى الفتيات : هذا ليس بعدل ، فردت عليها أختها والمتأثرة بفكر أبيها : ولكن للثعلب أبناء وإن لم يطعمهم فسيموتوا، إنه ميزان الحياة عزيزتي. ينتهي المشهد، ولكن يبدو أن هذا الميزان لم يخدم صاحب الفكرة التي وُصفت بأنها أعظم فكرة أُحادية في تاريخ عالم الأفكار، فكرة التطور والنشوء ..داروين

 

الفيلم يروي أهم حدث في حياة داروين والذي ساهم في خروج نظريته، التي وصفها علماء زمانه بأنها “عملية قتل للالهة” في معركة الصراع بين العلم والدين ، الا وهو موت ابنته، ورغم تدين زوجته وصديقه المقرب إلا أن الشكوك التي سبقت هذه الحادثة من دفع العقل إلى مناطق لا يملك فيها الكثير من الاجابات، جعلت داروين يشكك في وجود الخالق وأعزى ما نراه من خلق إلى عملية تطور، لذا فهو يخرج ساخطاً من الكنيسة عندما يتحدث القس عن خلق السموات والأرض في بضعة أيام، لأن نظريته لا تستدعي وجود اله. وكما بينا في مقالات سابقة بأن نظرية داروين قد أجابت على سؤال التطور ولكنها عجزت عن البحث في بداية الخليقة وكل ما تم ذكره في هذا الباب مجرد افتراضات واهنة

 

 

 

 

 

والفيلم يركز على مسألة الصراع بين الدين والعلم، وكيف أن الدين يفرض علينا مجموعة مُسلمات، ويقف عاجزاً أمام الأسئلة التي يطرحها العلم، وفي بعض الحالات المتطرفة، بدلاً من إقرار الدين بعدم اختصاصه في هذا الباب (أنتم أدرى بأمور دنياكم) يُنكر على الباحثين البحث ويتهمهم بالزندقة ويتهم أعماله بالسحر والشعوذة ومما لا يجب التحدث عنه، وظهر هذا الشيء جلياً في الفيلم عن طريق العلاقات الاجتماعية والمتمثلة في زوجة داروين المتدينة، فمنذ أن توفت ابنتهما وهما لا يتحدثان، ولسان المقام يقول : أن القلب المؤمن راضٍ رغم عدم قدرته على إجابة أسئلة القدر ويحاول إسكات العقل العاجز عن فهم عدالة الرحمن، وفيه تعزيز لفكرة صراع الدين والعلم مراراً وتكراراً ولكن بمقاييس مختلفة. من المشاهد التي شدتني أيضاً مشهد ابنة داروين تبكي لأن استاذها عاقبها لأنها تساءلت عن صحة ما يقول ،فعاقبها لأنها قالت ما اعتقدته حقيقةً، تلك الحقيقة التي تكشفت لها عن طريق حواسها

 

نعم بدأ داروين يفقد إيمانه شيئاً فشيئا، ولا يستطيع أحد فينا أن ينكر التجارب الكثيرة التي أجراها لدراسة الكائنات، ولكن ما كان يبحث عنه في اعتقادي هو لتعزيز فكرة مُثبتة في عقله ألا وهي عدم وجود اله، كما يفعل الكثير من علمائنا في باب الاعجاز العلمي من محاولة لاثبات صحة كلام الله ووجوده، ولكن يبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه، ما هو مساحة فعل الدين؟ وهل من المفترض من الدين إجابة كل الأسئلة التي يواجهها الانسان في الوجود. البعض يفترض لأن الله أنزل كتابه فيتعامل مع الكتاب كدليل إرشادي لادارة الكون فضلاً عن دليل إرشادي لفهم الكون. سوء الفهم هذا يجعلك تُصدم شيئاً فشيئا بأن الدين لم يجيب على تلك الأسئلة والتي لربما من الأسئلة التي لم يأتي الدين لاجابتها، فتقع في الشك، لا لخطأ الدين ولكن لسوء فهمك لهدف الدين… يقول داروين: فقدان الايمان عملية بطيئة كعملية تحرك القارات، ولكن ما أن تخرج فإنها لا تختفي من جديد.

 

 

 

 

عجز عقل داروين عن فهم مسألة عدل الله في التعامل مع خلقه، لم يستطع داروين أن يتعامل مع اسم الله الضار النافع، المعطي المانع، فموت ابنته التي يحبها لم يراه مبرراً وكيف للاله أن يفعل ذلك، ولكن يمكن للطبيعة أن تفعل ذلك كما فعل الثعلب مع الأرنب، التضارب الحاصل في شخصية داروين بين عقله وقلبه، فعقله يعتقد بأنه أكمل من قلبه بما يملكه من أدلة ولكن هل بالفعل كل ما نحتاج إليه هو الأدلة !! وقف العقل عاجزاً أمام تقبل الصدمات ولم يسعفه قلبه الملحد… وتختم زوجته المشهد بقولها : إن الحب الحقيقي هو الذي لو علم مالم يعلمه، فلن يغير ذلك من حبه شيئا …وذلك هو الذي يصفه البعض بإيمان العجائز!

التعليقات

صورة عمر شمس الدين

أعتقد أننا بحاجة للنظر لداروين على أنه عالم سلك طريق بحث، وليس على أنه ملحد، فإلحاده عليه و سيلقى به ربه، و لنا أن نتناول ما قدم من علم، وهذا لا يعني عدم الإستفادة من طريق الشك الذي قاده للإلحاد بهنّاته، لكن ليس من باب المحاكمة له بل لمنهج إنتهجه.
و ربما ,, أقول ربما تشكف لنا الأيام أن نظرية التطور الدارونية نظرية عليمة صحيحة ولا تانفي معتقدنا في الله و الخلق... فقط نريد أن نفتح آفاق لعقولنا نحو إجابات جديدة..