د.جاسم:ما أتمناه أن لا تحتاج مصر إلى ثورات أخرى

صورة أحمد درويش

في خضم المعارك الثورية والسياسية التي تشهدها مصر، تطل علينا أسئلة المرحلة الحرجة محاولة اختراق جدار العقول المحتارة، في نفس اللحظة التي تصرخ فيها حناجر الثوار في ميادين مصر مطالبة بثورة كاملة، أما العسكر فدخلوا وادخلوا معهم الأحزاب الكبرى لينتفح باب جديد هو باب اللعبة الديمقراطية وفق قواعد متغيرة لم يتعود عليها الشارع المصري..

في هذه اللحظات يسرنا في موقع النهضة استضافة الدكتور جاسم سلطان مؤسس مشروع النهضة، وصاحب القراءات العميقة للواقع، ليجيبنا على تساؤلات تثار هنا وهناك في مختلف أرجاء الوطن العربي حول مصر وما يجري فيها من أحداث.

د.جاسم سلطان أهلا وسهلا بك.

نحب أن نبدأ معك منذ لحظات الثورة الأولى.. برأيكم كيف تقيمون أداء جماعة الإخوان المسلمون منذ  اللحظة الأولى لثورة ٢٥ يناير بشكل عام حتى اللحظة؟

بدأت الحركة غير واثقة من قرار الحراك الثوري أو الإعتماد على الجمهور ابتداءا. فلم تعتمد النزول رسميا وتركت للراغبين المشاركة على مسئوليتهم. ثم تطور للنزول مع الجماهير، ولم تثق في إمكان إسقاط النظام فالتقت عمر سليمان.

وحين نجحت الثورة تصدرت المشهد بفعل قوة التنظيم، ولكنها مرة أخرى لم تثق بالحراك الثوري وبدا كأنها تقف ضد شباب الثورة، ثم فازت في الانتخابات واشتكى الجميع من سياسة الهيمنة على اللجان.  وجاءت مسألة لجنة صياغة الدستور و وقعت في ذات المشكلة..وكل ذلك وليد مسألة واحدة وهي عدم الثقة في الجماهير كقوة افتكاك ابتداءا وليس كقوة تسيير إنتهاء، وبالتالي أصبحت المعادلة هي  تنظيم الحركة مرة أخرى في مواجهة تنظيم الدولة، وهما التنظيمان الوحيدان تاريخيا في مصر.

وقد كان لتنظيم الدولة اليد العليا حتى برزت الجماهير كقوة وأعادت ترتيب المشهد لصالح الثورة ولو إلى حين، فلما ساهمت فكرة التنظيم عند الإخوان في إسقاط فكرة حركة الجماهير عبر التخلي عن دعم حركة الشارع انتهى المشهد لصراع القوتين التاريخيتين (الإخوان /الجيش) تلك هي القصة قبل انتخابات الرئاسة.

ونلمس من المرشح الرئاسي الإخواني  تعقلا ورشدا في الخطاب اليوم، ومحاولة وضع حركة الشارع والقوى الاجتماعية في المقدمة بحيث تشكل صمام الأمان للحركة ومشروع مصر المستقبلي من خلال الإعلان عن الإشتراك مع كل القوى الاجتماعية في رفع المجتمع المصري، وفي حالة ترجمته لأفعال يمكن أن يشكّل ذلك تعويضا عن كل حركة التردد السابقة.



- ماذا يعني فوز مرسي بالنسبة لمصر؟

فوز الدكتور مرسي خطوة أخرى في طريق استعادة الدولة المدنية. وحين نقول خطوة يجب أن نعي أن الطريق لإنشاء الدولة المدنية لا يزال طويلا.



- حصل أحمد شفيق على نسبة عالية من أصوات المنتخبين ، ما دلالة ذلك برأيكم؟

أولا هذا يعني أن هناك وجهة نظر أخرى في مصر ربما تخاف من قدوم الإسلاميين للسلطة، أو قوى ترى أن استقرارها في النظام السابق كان أفضل، أو قوى ترى أن لقمة عيشها تضررت أو ستتضرر مع القوى الجديدة...لا يهم السبب ولكن المهم أن كتلة تصويتية مهمة ليس بالضرورة اختارت النظام السابق، ولكن من المؤكد أنها قلقة من النظام القادم.



- يبدو من خلال تحركات المجلس العسكري أنه سحب البساط من تحت الثورة ، ولم يبق من صلاحيات حقيقية للرئيس، كيف تنظرون لمستقبل ثورة مصر؟

في الواقع العملي.. المال والسلاح والقضاء وقطاع من المجتمع المصري الذي صوت لشفيق، والوقت وضغط الاحتياجات البشرية لرجل الشارع  العادي عوامل في يد المجلس العسكري مهمة.  وبالتالي فافتكاك الصلاحيات لصالح المجتمع سيكون أمرا عسيرا وطويلا في مصر، ولكن المجلس العسكري هو قوة وطنية مصرية، والتحول سيحدث ولكن ليس بالسرعة والسلاسة المطلوبة.



- هل يمكن أن يتحول مرسي لرئيس مقال بعد فترة مثلما حدث مع حكومة حماس المقالة التي فازت بانتخابات نزيهة؟ 

من ناحية الإمكان العقلي فذلك ممكن، ولكن ربما لن يسير السيناريو بهذا الشكل فحماس موضوع آخر غير مصر بحجمها ومكانتها ونوع الحراك الكبير فيها.

 

- الكثيرون يرون أن الأخوان وضعوا أنفسهم والثورة في زاوية لا مجال للعب من خلالها مع المجلس العسكري، ما الحل برأيكم للخروج من هذا المأزق؟

الحل الوحيد في مصر لكل القوى السياسية بما فيها الإخوان، أن يؤمنوا أنه لا خلاص فردي لأحد! وأن النجاح لن يتم بتنظيم الإخوان ولكن بتنظيم المجتمع، وأن تنتقل الفكرة من الإيمان بالتنظيم كحل للإيمان بالمجتمع كحل، و تبقى التنظيمات عناصر لتمكين المجتمع لا للهيمنة عليه.

و الموضوع يخص كل القوى الاجتماعية وليس الإخوان وحدهم. ففكرة الهيمنة والتسلط أحيانا تكون روح تسري في المجتمع تحت عناوين مختلفة ولكن نتيجتها واحدة.



- تبدو مصر في عين المشاهد صراع ممتد بين العسكر والإخوان منذ ثورة الضباط الأحرار وها هو يتجدد، هل التاريخ يعيد نفسه؟

الفكرة الرئيسة للعسكر وللإخوان رغم تناقضهما كمشروع إلا أنهما متفقان بأنهما الحل البديل، وأنه الحل المناسب للمجتمع، وأن الحل للدولة ليس في المجتمع القوي ولكن في التنظيم القائد القوي، وهو عند العسكر تنظيم الجيش والأمن، وعند الإخوان هو التنظيم المتماسك، وهو ما قاد للمأزق التاريخي.

وما لم يدرك العسكر والإخوان أن العصر هو عصر المجتمع القوي، وأن دورهما وظيفي لتمكين المجتمع وليس للحلول كبديل عنه، فالصراع باق بينهما والتاريخ يعيد نفسه.

- يتحدث الكثير من ثوار مصر والقوى الشبابية عن مؤامرة أو خطة ينفذها العسكر من جهة، وتتحدث أحزاب سياسية عن العسكر وارتباطهم بما يسمونه الدولة العميقة في إشارة إلى النظام السابق، ومن جهة ثالثة تتحد قوى عن العسكر كقوة مسؤولة عن البلد وعليها أن تتصرف على النحو الحالي في ظل غياب القرار الموحد والتعاون بين القوى السياسية، ما الذي للعسكر وما عليهم بين هذه الثلاثية؟

حكم العسكر مصر منذ 1952 ونشأت الدولة بما فيها أمنها العميق بفكرة عسكرية وقادة عسكريين، وهم أبناء المشروع الوطني المصري التاريخي، وفي لحظة الميلاد كانت لهم أحلام لنهضة مصر تبددت مع الزمن وأنتجت واقعا صعبا قاد للثورة المصرية الحديثة.

وهم اليوم القوة التي تمتلك المال والسلاح ومقدرات الدولة في مصر بدون منازع، والدولة العميقة بالضرورة خاضعة لهم. والغالب على الظن أنهم يمتلكون رؤية لمصر مختلفة عما تطالب به حركة الثورة في بعض الوجوه وخاصة في شقها الديني.

ويعتقدون أن الدولة لو تُركت ستسقط لا محالة في قلب الفكرة الدينية، ومن هذه الزاوية يبدو القلق كبيرا وواضح، وكذلك تصورات القوى الثورية لإدارة الاقتصاد والعلاقات الدولية، وربما العلاقة بمجمل قوى الدولة الماضية والتي قد تطال المؤسسة العسكرية يبدو أيضا أمرا مقلقا.
وبغض النظر عن ما يمكن أن تُسمى به تصورات الجيش (خطة –مؤامرة-الخ) ولكن بالقطع لهم تصورات وليس بالضرورة أنها تصورات شريرة، ولكنها مختلفة ويجب أخذها في الاعتبار. ومصر لن تستطيع أن تقلع بدون جيشها، والجيش لن يستطيع أن يقوم بدوره بدون مساندة الشعب له.

- بين الفعل ورد الفعل ما الذي يميز أفعال وقرارات المجلس العسكري عن أفعال وقرارات القوى الثورية والحزبية؟

إن أبسط المعلومات عن القيادات العليا في القوات المسلحة تقول أن هذه المناصب العالية لا يبلغها إلا من دخل دورات الأركان. وجوهر دورات الأركان هي شحذ التفكير الإستراتيجي ، وفن إدارة الصراع.

ومن هنا تأتي مبادئ التخطيط الإستراتيجي المتعلقة بتحديد الأهداف، وحصر الإمكانات المتوفرة، ورسم طريق الوصول إلى الهدف في مقدمة المبادئ التي يتعلمها القائد العسكري ، وبالتالي نستطيع أن نرى بوضوح طريقة تفكير القيادات العسكرية في إدارة الموقف الجديد في مصر ومعالجة القضايا.

فمن خلال تحديد الخط الإستراتيجي والنتائج المرجوّه للوضع الكلي ، ومن خلال إدارة فن المناورة يمكن حماية الخط الإستراتيجي.

وفن المناورة في جوهرة هو امتصاص الضغوط اللّحظية للوصول بالخط الإستراتيجي الى نهايته.

تلك هي ألف باء مبادئ التفكير الإستراتيجي، والذي جاءنا أصلا من مجال العسكرية وانتقل منه إلى المجال المدني.

ولا يبعد بناءا على ذلك أن يكون الجيش يُمارس ما هو مُدرب عليه ، ومع توفر الخبرة والإمكانات التي ذكرناها في الأسئلة السابقة يمكنه - أي الجيش - التعامل مع القوى الأقل تدريبا والأقل إمكانات، والتي عاشت حياتها على ردود الأفعال.

ومن المهم هنا ذكر أن نقطة انطلاق الثورة شكّلت نقطة كبرى في ما يسمى بعنصر المفاجأة، حقق للجماهير في المرحلة الأولى عنصر التفوق، ولكن بعد استيعاب الموقف أعاد العسكر اللعبة إلى خانة النضال تحت الدستوري ، ومنه عادت القوة الحقيقة للقوات المسلحة.

الرهان الحقيقي الآن يقوم على أساس أن القوات المسلحة هي عماد المشروع الوطني المصري والعمود الفقري لمشروع الدولة، وبالتالي هناك فرصة كبيرة جدا للتفاهم حول مستقبل مصر، أخذا في الاعتبار مخاوف القوات المسلحة وقدراتها التخطيطية.

والدعاء منا هنا لمصر جيشا وشعبا وحكومة بالتوفيق.

 

- الخطاب السائد في مصر هو خطاب مع أو ضد، خاصة فيما يتعلق بالمجلس العسكري..هل يمكن تغيير وجه الخطاب ليكون خطاب يدخل جميع الأطراف ضمن مسار وطني واحد، أم أن المسار الثوري لا يحتمل ذلك؟

دائما يمكن توليد فكرة ثالثة تأخذ في اعتبارها مخاوف الجميع من الجميع، والبحث عن الوسيلة الذهبية  هو طريق المبدعين.

- ماهي أولويات القوى الشبابية ؟ وهل تحتاج مصر جولة ثورية جديدة ؟

ما أتمناه أن لا تحتاج مصر إلى ثورات أخرى، وأن يتوفر سبيل للحوار بين الجيش والقوى المدنية، وأن يتفق الجميع على بدء صفحة جديدة من الثقة، وخارطة طريق للخروج بمصر التي يتمناها الجميع، وأن تنتهي قصة التوجسات والمخاوف، فرسالة الثورة واضحة.. مصر تحتاج لمقاربة جديدة، ورسالة الجيش وبعض القوى الاجتماعية أن ذلك لن يتم عبر الانتقام من الماضي.

لا بد للعقلاء من إيجاد سبيل وسط، فالرسالتان قويتان ويمكن سماعهما، فقط تحتاجان لترجمة عملية في شكل خطة جامعة لبداية جديدة.

 

ملف النهضة: