جمال المليكي في حوار مع موقع النهضة: نسعى في مؤسسة اليقظة لإطلاق قدرات الإنسان اليمني

صورة أحمد درويش

 يشهد اليمن منذ أول يوم من انطلاق ثورته حراكا مجتمعيا وسياسا متسارعا ، وباتت كل الملفات التي كان يُعتقد أنها من اختصاص الدولة فقط هي في حقيقتها من أولويات الشعب اليمني ، فمشاكل الفقر والبطالة ومحاربة الجماعات المسلحة ، وهيكلة مؤسسات الدولة خاصة الأمنية منها والعسكرية هو اليوم الشغل الشاغل للشارع اليمني. وتطور اليمن وخروجه من نفق التخلف والتبعية بات هما عاما في ظل تحسن مشهود في البلاد التي قامت هي الأخرى بثورة.

وفي هذا الموضوع يستضيف موقع النهضة المتحدث الإعلامي جمال المليكي الباحث في قضايا الفكر ، ومدير مؤسسة اليقظة التنموية للحديث معه حول أخر المستجدات على الساحة اليمنية.

أستاذ جمال حول اليمن واللحظة الراهنة

كيف تقيّمون وضع اليمن بشكل عام في هذه اللحظة؟

 

اليمن بشكل عام يعيش في ظل ثورة لم تكتمل بعد، وهو في مرحلة حاسمة من مراحل النضال الثوري لتحقيق أهداف الثورة، و استكمال تفكيك منظومة النظام السابق المتمثل في عائلة صالح وحاشيته ، وعلى قدر نجاح كل الأطراف في هذا سيكون اليمن جاهزا للمرحلة الإنتقالية التي تهيئ لبناء دولة المؤسسات.

 

تكاد صورة اليمن اليوم تنحصر في الإعلام العالمي حول القاعدة وعملياتها داخل اليمن؟ وبين محاربة النظام الحالي لها؟

هل القاعدة هي مشكلة اليمن بعد علي صالح؟

 

القاعدة في أصلها موجودة في اليمن، ولكن بهذا الحجم وبهذا التداخل هي جزء من الإرث الذي ورثّه لنا صالح. هناك من يرى أن تعامل صالح الانتهازي مع القاعدة هو ما جعل القاعدة اليوم تعتبر تهديدا لاستقرار اليمن، ومن أبرز المشاكل التي تطرح نفسها كأولوية على الفاعل السياسي في اليمن في هذه اللحظة ، ولكنها ليست القضية الوحيدة فهناك على قائمة الأولويات قضية الجنوب، و إعادة هيكلة الجيش الذي بدء بداية لا بأس بها، وهناك التهيئة للحوار الوطني الشامل.

ما هو عنوان المرحلة الحالية، هل هي مرحلة البناء أم مرحلة استكمال متطلبات الثورة؟

عنوان المرحلة هو استكمال متطلبات الثورة والذي من شأنه أن يُهيء اليمن ليبدأ مرحلة البناء  كحال أي بلد تم افتكاك النظام من خلال ثورة، و ورث من النظام السابق الكثير من المشاكل وفي الحالة اليمنية لا يزال النظام السابق يمتلك بعض الأوراق التي قد تمكّنه من إعاقة الانتقال لمرحلة البناء وبالتالي فأولوية المرحلة الحالية هي الإزاحة الكاملة والشاملة لعائلة صالح.

 

مؤسسة اليقظة

 

 

دعنا ننتقل من الشأن العام إلى موضوع الدور الذي تقومون به، فقد أعلنتم في اليمن عن افتتاح مؤسسة اليقظة تحت شعار (نحو مجتمع قوية منتج وحر) ماذا تعني بالمجتمع اليمني القوي؟

 

فترة الثورة أثبتت لنا أن المجتمعات على مستوى من الجاهزية ربما فاجئ الكثيرين، وفي الوقت نفسه أظهر العديد من نقاط الضعف كحال أي شعب عندما يخرج إلى الشارع فهو يخرج بسلبياته وإيجابيته، وحتى يتم تعزيز ما ظهر من الإيجابيات ومقاربة بعض الحلول للإشكاليات التي ظهرت خلال الثورة نرغب أن نساهم من خلال هذه المؤسسة في هذا التحول الإيجابي. وما نقصده بالمجتمع القوي أن يكون قادرا على بناء الدولة ومراقبتها والضغط عليها، والمساهمة في امتلاك مشروع يحشد كل طاقة المجتمع حوله، فينتقل من الصراع مع النظام السياسي إلى الشراكة الفاعلة، وهذا لن يتم إلا إذا كان مجتمعا متعلما ويمتلك أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية حية تسود فيه قيم النهضة التي نسعى في مؤسسة اليقظة لنشرها والتأكيد عليها، وبناء كتلة حرجة من شباب اليمن ليصبحوا هم حواريي وأبطال النهضة في مستقبل اليمن القريب إن شاء الله تعالى.

 

على الجانب التدريبي ..ما هي الأدوات التدريبية التي تدعو شباب اليمن اليوم لتلقيها والتي ستجعله شباب منتج لبلده؟

الأدوات التي تجعله أكثر فاعلية وتفاعلا مع واقعه. فهو يحتاج إلى مبادئ العلوم الإنسانية التي تمكّنه من فهم الواقع فهما موضوعيا وليس فهما عاطفيا سطحيا، ويحتاج  قبل ذلك لتنظيم الخارطة المعرفية واكتساب مهارة التفكير المنطقي، وفي الوقت نفسه أن يفكر كيف يمكن أن يفتتح بالدين عصرا جديدا يمكنه من إطلاق قدرات الإنسان اليمني، وهذا ما نركّز عليه  من خلال الحزم الأربع في برنامج إعداد قادة النهضة الذي بدأنا في التدريب عليه في اليمن.

 

- ذكرت موضوع الدين وهو موضوع حساس في اليمن ، برأيك ما هي أهم الأفكار الدينية التي تمثل عائقا اليوم أمام نهضة اليمن وتحاولون حلها؟



بشكل عام الخطاب الديني السائد لا يزال تقليديا ويركز على الوعظ السلبي في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة لوعظ ايجابي يذكرنا بواجباتنا نحو عمارة الأرض أكثر مما يذكرنا بالعزوف عن الدنيا وهذا على سبيل المثال فقط ، مع وجود بداية في التغيير نحو خطاب نهضوي.

نريد أن نساهم في مؤسسة اليقظة في تعزيز الخطاب الذي يفتتح بالدين عصرا جديدا. ومن الأفكار المنتشرة كذلك ما يمكن أن نسميه بالجبر الاجتماعي الموجود في لا وعي المجتمع بأن التقدم هو قدر يقدّره الله على بعض الأمم دون الأخرى، وليس خيارا تختاره وتخطط له الشعوب وبعد ذلك تأتي معونة الله.

باعتقادك ما أهمية نشر ثقافة إنشاء مؤسسات المجتمع المدني في بناء اليمن الجديد؟

في كل عصر من العصور تمارس المجتمعات دورها من خلال وسائل تتناسب مع طبيعة عصرها. و اليوم حتى يكون المجتمع حاضرا ومساهما بقوة في بناء وطنه يحتاج لأهم الوسائل لتحقيق ذلك. وهو أن يمثل المجتمع نفسه من خلال منظمات المجتمع المدني.

ومن دروس الثورة أن ثورة تونس كان لها الحظ الأوفر من النجاح لأسباب كثيرة من أهمها المجتمع المدني القوي كما ذكر هذا بوضوح الرئيس المفكر منصف المرزوقي.

 

ما هي الشروط اللازم توافرها لتدخل اليمن مرحلة التحضير لإحداث نهضة؟

 

اليمن اليوم استطاع الإطاحة بجزء كبير من نظام صالح والذي يشكل أهم معيقات أي تنمية وأي نهضة، ولا يزال هناك الكثير من الاستحقاقات حتى نستطيع الحديث عن نهضة اليمن من أهمهما بناء النظام السياسي والنظام الاقتصادي بحيث يصبح نظاما مؤسسيا حيا، وهذه هي مهمة المرحلة القادمة بعد استكمال تفكيك النظام الذي يعتبر أحد المعيقات التي تعطل الانتقال إلى مرحلة الاستقرار الكافي للحديث عن التنمية ومن ثم النهضة.

 

 

ونحن في مؤسسة اليقظة نعمل على توصيل أفكار النهضة إلى العديد من القطاعات سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي، وبهذا نحاول المساهمة في تعجيل الحراك في اتجاه الاستقرار ومن ثم التنمية ليصبح الحديث عن النهضة منطقيا وقابلا للتطبيق.

 

امتازت مرحلة الثورة بالمطالبة بعدد من القيم الكبرى في المجتمع (حرية ، عدالة ،كرامة اجتماعية ) واليوم يجد الشعب نفسه أسيرا لتحقيق السلطة الجديدة لهذه المطالب.. أين المشكلة تحديدا ؟ هل في عدم تطبيق السلطة الحاكمة لهذه المطالب أم في صعوبة تحقيقها بعد فترات طويلة من حكم الديكتاتوريات؟

 

النظام السياسي هو جزء من المشكلة وليس كل المشكلة.

في تطبيق هذه الأفكار وفي الحالة اليمنية هناك إرادة لا بأس بها لدى الفاعل السياسي الحالي في الانتقال إلى دولة المؤسسات بسبب الإرادة الثورية التي تحلّى بها الشعب اليمني خلال أكثر من عام، والعقدة الحالية  تتمثل باعتقادي في نقطتين

الأولى هي في مواصلة الضغط بشكل أو بآخر على الفاعل السياسي لبناء مؤسسات تجسد وتحمي أفكار الحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية.

والنقطة الثانية تتمثل في رفع مستوى الوعي لدى النخبة ولدى المجتمع بشكل عام بحيث تصبح هذه الأفكار هي حديث المقاهي والبوادي والقرى، بمعنى أن تكون ثقافة سائدة قبل أن تكون قانونا ودستورا مكتوبا.



المرأة اليمنية

 



 

- في فترة الثورة شاهدنا نشاطا في مختلف الأصعدة شاركت فيها المرأة بقوة دون أي مشاكل تذكر تقريبا، اليوم الزخم الثوري يأخذ أشكالا مختلفة من التعبير والأنشطة على الأرض ..ماذا عن المرأة اليمنية هلا لازالت تمارس نشاطها الثوري بعيدا عن فكرة اقصاءها قبل الثورة؟ 

ملف المرأة في اليمن يتحسن بشكل ملحوظ، ولا يزال بحاجة إلى عمل نوعي يغلب عليه تعميق قناعة المجتمع ليس بضرورة عمل المرأة فقط، ولكن أن من حقها المشاركة في بناء المجتمعات مثلها مثل الرجل كإنسان كامل الأهلية، فمشاركة المرأة حق لها قبل أن يكون ضرورة. وهناك عدد من منظمات المجتمع المدني مهتمة بهذا الملف على وجه التحديد، ونحن في مؤسسة اليقظة سنركز على الجانب الفكري من خلال معالجة بعض الإشكاليات المنتشرة في شروح بعض النصوص الدينية التي قد يفهم منها البعض أن المرأة ليس من حقها ذلك، وفي الجانب العملي سنركز على نوعية مشاركة المرأة أكثر من مجرد المشاركة للقول أنها شاركت.



العمل السياسي في اليمن



- شهدت الساحة اليمنية تجاذبات متباينة بين الأحزاب التقليدية المعروفة والشباب المستقل الذي يحاول أن يجد مسارا بديلا عن مسار الأحزاب ؟ كيف سيعبّر الشباب والمجتمع عن نفسه من خلال هذه المسار المستقل؟

 

المجتمع خلال فترة الثورة خرج من دورة تدريبية مكثفة ذات أثر بليغ باعتقادي. هذا بطبيعة الحال سينعكس على كل الأطر، فهناك من سيختار أن يكون ضمن هذه الأحزاب، وهناك من سيكون أكثر نضجا داخل ذات الأطر الحزبية مما سيساهم في تطورها إن استوعبت الأحزاب هذا التغيير، وهناك من سيعبّرعن نفسه من خلال منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية والمجتمعية، وهناك من سيجمع بين الأمرين، وهذا في النهاية سينعكس على نضج وتطور المجتمع عموما.

- شهدنا في بلاد الثورات سيطرة للتيارات الدينية بمختلف توجهاتها على الدولة؟ هل اليمن هو سيناريو مشابه لتلك الدول ؟ 

تجربة اللقاء المشترك في اليمن وهو عبارة عن اتحاد لمجموعة أحزاب إسلامية وقومية ويسارية سيجعل المشهد السياسي في اليمن أكثر نضجا وتوازنا باعتقادي إذا ما قارناه بما يحدث في مصر مثلا ، ولعل الأيام القادمة تؤكد لنا ذلك أو تنفيه مع اعتقادي الشخصي أن المشهد السياسي في اليمن سيتوازن بشكل يمكّن اليمن من الانتقال إلى مرحلة جديدة.



- اهتمام الشباب بالسياسة يشهد تقدما ملحوظا على بقية المجالات ..على اعتبار أن الأزمة هي أزمة سياسية بامتياز ؟ كيف تنظر لهذا الأمر؟ وهل إقبال الشباب على المجال السياسي دون غيره هو جزء من الحل ؟ أم ضياع لجهودهم؟

 

الوعي السياسي يحتاجه كل فرد في المجتمع الحي سواء كان ممارسا للسياسة بشكل مباشر أم متابعا لأحداثها. أما فيما يتعلق بالمشاركة المباشرة فلا بد أن يكون هناك مشاركة شبابية فاعلة في المجال السياسي لا سيما أن مجتمعاتنا العربية مجتمعات شابة كما هو معروف ، وكذلك ستساهم مشاركة الشباب للسياسة في فتح آفاق جديدة تتوافق مع المتطلبات الثورية التي ينشدونها.

 

في ختام اللقاء نشكر الأستاذ جمال المليكي على حواره معنا في الموقع ، ونسأل الله أن يبارك في جهود شباب اليمن الساعين لنهضة بلدهم.