هل العلمانية هي الحل؟

صورة مصطفى فرحات

لطالما رفع الإسلاميون شعار "الإسلام هو الحل"، منذ سقوط الخلافة واستبدال الشريعة الإسلامية بدساتير وضعية تعلن، في بعض الدول المسلمة ـ على استحياء ـ أن "الإسلام هو دين الدولة" وأنه "المصدر الرئيسي للتشريع". وواضح أن هذا الشعار استقطب أغلبية الجماهير التي تتمثل في مخيالها "الخلافة الراشدة" والعدالة شبه المطلقة التي تجسدت أثناء حكم الخلفاء الأربعة، رضوان الله عليهم، لأنها ذاقت الوبال من سياسات مستوردة حكمتها عقودا من الزمن، تحت عباءة الاشتراكية ومواجهة الإمبريالية حينا، وفي فلك الليبرالية واقتصاد السوق أحيانا، حيث لم تُفلح السياسات المتعاقبة والمطبقة بشكل ارتجالي وانتقائي في تغيير نمط حياة الأغلبية التي عانت الفقر والقهر والاستبداد.

لم يُقدّر لأغلبية الإسلاميين المشاركة في صناعة القرار، قبل ربيع الثورات العربي (عدا استثناءات جعلت بعض الأحزاب الإسلامية مجرد واجهة مُشاركة في حكومات ولا تملك من سلطة القرار شيئا)، ولهذا لم تُتح لهم فرصة كتابة شروح وحواش على شعار "الإسلام هو الحل"، لأسباب كثيرة. لكن اللافت هو أن 3 تجارب استلهمت الإسلام وتمكنت من تأسيس دولة في نهايات القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، وهي تجارب تلفت الانتباه بسبب مآل الدول التي حكمتها، وما حدث فيها من متغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، آلت إلى الكارثة بشكل أو بآخر.

تجربة إيران بعد الإطاحة بالشاه رضا بهلوي وقيام دولة شيعية كشفت خطر الحكم "الإسلامي" الذي يحكم الناس بمنطق أيديولوجي؛ فـ"الجمهورية الإسلامية" التي قامت على أنقاض إحدى أكبر الثورات الشعبية في القرن العشرين وحظيت بتعاطف جماهيري إسلامي كبير لم تحافظ على حيادها وكشفت عن أنيابها "المذهبية" بشكل دفع لاضطراب في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى تحالف الدول العربية الخليجية مع نظام صدام حسين من أجل مواجهة الأطماع التوسعية الإيرانية. ورغم بوادر تقارب "عربي ـ فارسي" أثناء حكم الرئيس المثقف محمد خاتمي، إلا أن "شطحات" نجاد ألهبت فتيل الشك والتوجس وعدم الثقة وجعلت المنطقة مفتوحة على أكثر من سيناريو في ظل أزمة الطاقة النووية والعقوبات الغربية والتخوف الخليجي من استئساد الجار الفارسي.

وبعيدا عن المسار السياسي، دفعت النظرة المذهبية "الشيعية" لنظام "الآيات" في إيران إلى التضييق على أهل السنة، وهم يشكلون نسبة كبيرة في عدة مناطق، وتخلو العاصمة طهران من أي مسجد لأهل السنة، وقد سألتُ شخصيا [آية الله علي أكبر محتشمي وزير الداخلية في زمن الخميني] عن السبب فتحجج بأن طهران لا يوجد بها سني!!

التجربة الثانية تمثلت في الانقلاب العسكري الذي قاده عمر البشير بدعم من حسن الترابي في السودان والإطاحة بحكم جعفر النميري (قبل أن ينقلب الأول على الثاني). وأعلنت السودان نفسها جمهورية إسلامية وشرعت في تطبيق بعض الحدود، لكن عوامل خارجية وداخلية معقدة أدت، رغم كل التبريرات المقدمة، إلى انشطار السودان لنصفين، مع بوادر انشطارات أخرى بسبب الصراع الحاصل في دارفور وأبيي وكردفان، ناهيك عن التسلط السياسي الممارس من نظام البشير الذي جثم على العرش وأبى التزحزح عنه.

التجربة الثالثة رفع لواءها "طلبة الشريعة" (طالبان) الذين تخرجوا من الكتاتيب الباكستانية وأسسوا "إمارة أفغانستان الإسلامية"، وأعلنوا في فترة حكمهم الحرب على البشر والحجر (قضية التماثيل المشهورة وما أثارته من جدل فقهي وسياسي حينها). ولا يعرف الغرب من نظامهم "الإسلامي" سوى صورة المرأة الأفغانية التي أُعدمت وسط ملعب في كابل أمام مرأى الآلاف الذين كانوا يتابعون مباراة كرة قدم. ثم سقطت دولة "المُلّا عمر" بعد أحداث 11 سبتمبر والغزو الأمريكي لأفغانستان، قبل أن يعودوا إلى الواجهة عبر "التفجيرات الانتحارية" التي يقومون بها في باكستان وأفغانستان، حيث يسقط المدنيون، رجالا ونساء وأطفالا، ضحايا في سبيل استرجاع الدولة الإسلامية المفقودة.

ولم أشأ إقحام تجربة الإسلاميين في الصومال وما لها من تداعيات أدت إلى دخول البلاد في مجاعة ظن العالم أنه تجاوز صورها المرعبة إلى غير رجعة، فالتداخل القبلي بين دول القرن الإفريقي عمّق الهوة وجعل من الإسلاميين مجرد حلقة في مسار الأحداث المأساوي فقط.

المقصود بهذا السرد السريع هو الوصول إلى حقيقة علينا الوقوف عندها طويلا: فلئن تذرع الإسلاميون في أغلب الدول بعدم المشاركة في صناعة القرار وأعلن البعض قائلا: "جربونا ثم حاكمونا"، فإن تجارب أخرى استلهمت نفس المنطلقات الدينية: لدى السنة والشيعة على حد سواء، أدت إلى نتائج كارثية على مستوى الواقع: دولة أيديولوجية تقصي المخالف وتقمعه، ودولة ممزقة الأوصال تنام وتصحو على وقع الحروب الأهلية، ودولة مُفككة مُفقرة صار الموت تحت وطأة قنابلها البشرية ماركة مسجلة!

هناك احتمالات لهذا الواقع المُحزن: إما أن الإسلام لا يصلح للحكم وأن توظيفه السياسي يؤدي إلى تفكيك الدولة ويغرق العالم في الفوضى، وإما أن "الإسلام" الذي يُرفع شعارا للحكم ليس هو الإسلام الحقيقي، وإنما مجرد مزيج ثقافي واجتماعي وتاريخي التصق بالإسلام ونحتاج إلى جهد كبير لاستئصاله حتى يعود للإسلام ألقه ووضعه الطبيعي: شريعة رحمة تربط الإنسان بالسماء.

قد يستغرب البعض هذا الطرح ويراه "رطانة حداثية" تحاول التخلص من الدين عبر الدعوة إلى تخليصه من الشوائب العالقة به على مدار قرون. لكن طال الزمن أو قصر سيصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا وستطرحه الجماهير وليس النخبة المتعالية في أبراجها العاجية.

الإنسان كائن جَدَلِيٌّ بطبعه "وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا" [الكهف: 54]، وهو لا يفتأ يطرح الأسئلة حتى يجد لها جوابا مُقنعا، ورغم بوادر انتشار التديّن إلا أن الحركات الإسلامية (فكرية وسياسية على اختلاف مشاربها) تبدو أعجز من ذي قبل عن الوصول إلى جواب مُقنع يجعل من المسلم اليوم كائنا متوازنا، سيما وأنها تتعامل مع العقل البشري وكأنه قاصر عن إدراك الحقائق ويحتاج إلى الرعاية والوصاية.

رغم التقارب الظاهري بين الشيخ والمريد، إلا أن الهوة تزداد عمقا واتساعا، ولم يعد بمقدور الفقيه أو الشيخ أن يجيب عن أسئلة الحياة الحقيقية التي يطرحها من يعيش داخل الحياة وليس خارجها أو على هامشها. هل هذا يعني أن الشعار الأنسب لهذه المرحلة هو "العلمانية هي الحل"؟ رغم تباين الآراء، لن تكون الفتوى وحدها قادرة على إيجاد جواب مناسب. نقول هذا حتى لا يضطر الناس إلى ترديد بيت أبي العلاء المعري وهم يقعون ضحية لما يُصوّر على أنه "فتوى":

صَاحَ الغُرَابُ وَصَاحَ "الشَّيْخُ" فَالْتَبَسَتْ * مَسَالِكُ الْأَمْرِ: أَيٌّ مِنْهُمَا نَعَبَا؟

ملف النهضة: 

التعليقات

صورة abdelkader

نظرية الدولة المؤسسة الاسلامية
لقد تعثر على كثير من العقول الاسلامية ان تعتبر نظام الدمقراطية تقنية و آلة كباقي تقنيات للعصر مثل سيارة ا طائرة الخ ....و لقد حاولت ان اوضح ان الدمقراطية تقنية قابلة للتسخير يستفاذ من اجابياتها دون تعارض مع مرجعيتنا الاصيلة في هذه العجالة ..
من اهم مميزات تقنية نظام الدمقراطية التي يفرضها التعامل العام في هذه العصر هو ظمانها حركية منطقية ايجابية تفاعلية متجددة نحو الاحسن و الافضل .. من هنا اقترح على كل عقل مسلم تطوير العلاقة بين اهم آليتين في العصر الحديث و هي آلة اشخص الاعتباري و آلة نزام الدمقراطية لانتاج نظام انتقالي للامة الاسلامية
النظام الدمقراطي يضمن حركية و حيوية و مشاركة و منطقية
نظام الشخص الاعتباري اي المؤسسة تضمن حيادية وصرامة و مرونة مع الثبات ..
اذن نفكر معا في مؤسسة الدولة الاسلامية تقوم المؤسسة منطقيا على الحياد و على الحكم للمنطق السليم و الحكم للمنطق السليم المبني على مرجعية ما .. لتسير المؤسسة يكون في المؤسسة العامة الكبيرة تفاعل مؤسسات بشكل ايجابي و منطقي وفق مرجعية محددة متعددة المشارب .. منطقيا المرجعية المختارة هي التي ستحكم و اجهزة المؤسسات هي التي تتفاعل و تنتج مسار ما ... منطقيا لا يمكنه ان يمس بالمرجعية ... اذن مؤسسة الدولة المسلمة تعني ان هناك مؤسسة عامة تنطوي تحتها مجموعة مؤسسات فرعية و جزئية تفصيلية و فروع للمؤسسا ت و تعني ايضا ان كل وجود داخل المؤسسة العامة له تمثيل مؤسسي يضمن وجودها يحفظ حقوقها ..اي هناك مثلا ..مؤسسة الشعب التي فيها مؤسسات فرعية من كل اطياف الشعب ثم تقسم الى مؤسسات الشعب الاكثرية و مؤسسات الشعب الاقلية .. اي تنظيم قوي لفروع الشعب في المؤسسة ..و امثلة اخرى ... مؤسسة المجتمع و نفس المنطق ..مثلا مؤسسة المرءة في الوطن الذي مرجعيته اسلامية و من تفرعاتها مؤسسة الام و الاخت و المحارم و العاملة و الملتزم ...الخ و مؤسسة الرجلتؤطره مدنيا واسلاميا و نهضويا او حضاريا .. و مؤسسة اليتامى ...
ثم المؤسسة السياسية و تنقسم الى المؤسسة السياسية الحاكمة الموظفة اما بعقد بيعة او عقد انتخاب الخ ..ومؤسسة الاحزاب السياسية دينية او براغماتية الخ.. و مؤسسة المرجعية العامة و تضم اهم مكونات المرجعية الاسلمية كخيار اصيل و اصلي ... ثم المؤسسة الاقتصادية و تتفرع الى مجموعة شركات ذات تسير حر و مسنق بمرجعية الدولة الاصيلة ...
اختصارا يعني التغي في النظرة الى التقسيم الكلاسيكي وللدولة وللسلطات فيها و يفتح باب تفاعل مجتمعي و شعبي واقتصادي ايجابي في اطار مرجعية عامة محددة مسبقا بشرعية تاريخية... اذن بهذا نستفيذ من ديناميكية نظام الدمقراطية و هذه اهم تقنية ايجابية نحتاجها و نتلافى الخلاف لان الحكم ليس للشعب بل لمنطقية حكم المرجعية العامة الاسلامية و كل مؤسسة تقوم بدورها كخلية نحل و تفرغ انتاجها و منتوجها ليصب في او نحو خدمة المرجعية الاصلية الشرعبة المختارة اي نشر الاسلام و تطوير الانسانية و البشرية و التي تفرض نفسها و نقلل من عبئء الخطا اانساني الاجتهادي الفردي و نتجه نحو التعاون رغم اختلاف الافكار و التوحد في المرجعية الواحدة و التقارب رغم تنوع المناهج المشارب
الخلاصة .. الخروج من الدولةالكلاسكية و منطق الدمقراطية الكلاسيكي و الدخول في نظرية حكم جديدة و نظرة الى دولةحكم جديدة تقترب و تقربنا من منظومة الاستخلاف الراشد للارض الذي يتطلب ديناميكيةايجابية في غياب الحاكم المعصوم يبقى الشخص ااعتباري الشخص الاقل خطاء مادام يقوم على مرجعية حكم اصيلة اسلامية اصلية ...و ليس تفعال الكلامي لا يجد له اثر بل العملي التطبيقي التنفيذي .. و لا نلغي المؤسسات الثلاثة بل ننقلها من مركز النفوذ و القوة الى مركز الوظيفية و الوظيفة فقط و النفوذ يوزع نحوالمؤسسات ليس السلطات ..و التفاعل يكون في اطار قانون تفاعل وتبادل و اضح بديل عن الدستور اي قانون تفاعل اساسي منطقي سليم وواقعي ... اخيرا وجود دراسة جادة تنطلق من فكرة بناء برنامج قاعدي شعبي تسهل تحديد المؤسسات المطلوب انشائها لانتاج المؤسسة المطلوبة و التي ذكرتها عل سبيل المثال نحو الدولة او الحكم الاسلامي الانتقالي ..لا تبخلو بنقذ او نصحة او اجتهاد فبعد ازمة القيادة و المجتمع هناك ازمة ايجاد نمط تسير المجتمع المسلم في عصر ساد فيها ننط اكتشفه الغرب ليسير نفسه وفق طبيعته و نحتاج لنمط يؤهل المجتمع المسلم لينتج منظومة الاستخلاف الراشد و نشجع الاحزاب الاسلامية ان تحاول انتاج نظريات جديدة فقد حان الوقت