السلفية وهموم التجديد

صورة مصطفى فرحات

"مشكلة "الاستبداد" قد تكون أخطر قضية واجهها العالم الإسلامي، ولا يزال يواجهها اليوم، لأنها ترهن مصيره كما رهنت ماضيه، وسترهن مستقبله، ما لم يجد لها حلا جذريا يجعله يتخلص من "الآصار والأغلال" التي فرضت عليه، باسم الدين والشريعة والسنة ومنهج السلف، أو حتى باسم المصلحة العامة وسد الذريعة.

 وعندما ينتفض الإنسان من القيد ويسعى لمقاومة الاستبداد، فإنه لا ريب سيواجه، أول ما يواجه، مجموع الأعراف والتقاليد التي تحكم المجتمع الذي يعيش فيه، وهذه الأعراف والتقاليد يحرسها سدنة ويحوطونها حتى لا يتطاول عليها أحد، لا لشيء إلا لأن اتخاذها غرضا سيقوّض مصالح السدنة أنفسهم وينزع عنهم ميزات لطالما تمتعوا بها في غفلة عن العامة، سواء كانت هذه الميزات مادية أو معنوية، والجاه والمنزلة والمكانة هي من أعظم هذه المصالح.

 وعندما يرفع مُصلحٌ صوته بالإصلاح، فإن أول من سيرفض دعوته ويُحاربها هم أولئك الذين يستشعرون التهديد ويرفضون التغيير لأن كل تجديد في نظام الحياة أو نظام الفهم والفكر يستدعي تغييرا في مكانتهم الاجتماعية القائمة أساسا على نظام فكري معيّن يزول إذا زال. وتاريخ البشرية كلِّها يكشف لنا كيف قامت الثورات الكبرى، ثورات الفكر والعقيدة أساسا، ثم ثورات الجماهير التي قلبت أنظمة الحكم وحاربت الاستبداد وكفرت به، تحت أي مسمى تم تسويقه، ما دام أنه يتصادم مع الفطرة البشرية ونزعة الإنسان إلى الحرية والتحرر والهروب من إسار الظلم والطغيان.

 بهذه المنظومة قامت كل الثورات التي نشدت التغيير، وبنفس المنطق تصدى "السّدنة" لها: عن طريق تشويه الثائرين وتكفيرهم وتبديعهم ورميهم بالهرطقة أو الزندقة. وإذا كان الأوروبيون يستشهدون للتدليل على هذه النظرية بما حدث من صدام بين الشعوب المقهورة من جهة، وبين الكنيسة والأنظمة الملكية من جهة أخرى، فإن المسلم يستحضر، أول ما يستحضر، دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي اعتنقها فقراء مكة وضعفاؤها، في مواجهة صناديد قريش وأرباب الأموال والتجارات فيها.

 ليس هذا تفسيرا ثوريا للتاريخ أو الدين، وليس قراءة مادية لجدلية حررها هيغل وحاول ماركس تطبيقها، ففي نصوص السنة النبوية الشريفة ما يكشف هذه المعادلة الثنائية التي جمعت بين الضعفاء والأغنياء كما في حديث البخاري في قصة هِرَقْلَ حينما سأل أبا سفيان: "قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلتُ: بل ضعفاؤهم"، ليقول هِرَقْلُ بعد ذلك تعليقا على جواب أبي سفيان: "وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت: أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل".

 هكذا كان الإسلام في ذلك الزمن، وهكذا فهمه أبناؤه وأعداؤه على حد سواء: شريعة تأمر الإنسان بالتفكر وإعمال النظر، وتنهى عن الركون إلى الآباء والأجداد، وتطالب الإنسان بالتحرر من الاستعباد، وتقتص للفقير المظلوم من الغني الظالم الذي يكتسب الثروة من استغلاله أبشع استغلال، ومن الاستئثار بالمال العام دونه. غير أن المثير للحيرة والتساؤل اليوم هو: كيف تحوّل الإسلام، في فكر بعض دعاته، إلى شريعة نابذة للعقل، آمرة بتقليد الأجداد والآباء، ناهية عن التحرر من الاستعباد، منحازة للأغنياء الظَلَمَة (وليس كل الأغنياء ظلمة) على حساب الفقراء المظلومين؟ وكيف يُصبح كل من يحاول دعوة الناس إلى " الشريعة الأولى ": مبتدعا علمانيا ليبراليا يُريد أن " يبدل دين الناس وأن يُظهر في الأرض الفساد " ؟

 في مفهوم السلفيين الجدد: لا يأتي الحديث عن النظر إلا مقيدا بجدلية "النقل والعقل"، وهي جدلية خاطئة في أصلها، تنطلق من مبدأ أن العقل قاصرٌ عن إدراك الحقائق (رغم أن النص القرآني أطلق للإنسان حرية إعمال عقله، بل ونهاه عن إخماد تلك الجذوة الملتهبة التواقة إلى إقتناص المعارف والحقائق). وفي تصورهم، لا مفهوم للإسلام الذي يدين به المؤمن ما لم يكن مرتبطا باتّباع "منهج السلف الصالح" (تدرّجا من أن المسلم غير السلفي ليس على الجادة وانتهاء بالبدعة الجديدة: السلفية هي الإسلام والإسلام هو السلفية!)، ولا تزال نكتة الإمام ابن القيم تكشف عن عمق الأزمة المتجددة: (مجوسي أسلم فأصبح رافضيا فدخل الناس يهنئونه بالإسلام ودخل عليه رجل فقال: إنما أنت انتقلت من زاوية من النار إلى أخرى)، ولئن كان الرفض وسب الأصحاب أمرا مرفوضا، فإن محكمة العقائد السلفية لم تستثن معتزليا ولا ماتريديا ولا أشعريا، ولم يشفع لبعض هذه المدارس الكلامية أن قيل في أهلها إنهم أقرب الناس للسنة ولا نصرة أهل هذه المدارس للسنة، مثل أبي الحسن الأشعري الذي لا يُعتبر متسنّنا إلا في مرحلته الثالثة (التي ينفي بعضهم وجودها)، وأبي الطيب الباقلاني، ولا حتى النووي أو ابن حجر أو الشاطبي، وجميعهم شرح بعض كتب السنة ونافح عنها وعن أهلها !

 أما التحرر من الاستعباد: استعباد الحاكم خصوصا، فإنه لا يرتبط في مفهوم السلفيين إلا بالخروج وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح وإهلاك الحرث والنسل، ولهذا فكل محاولة لإصلاح الأوضاع مرفوضة، رغم أن وسائل التغيير تغيرت في هذا الزمن وتطورت وصار يُتاح منها ما لم يكن متاحا من قبلُ. ومن أراد العجب فليعجب من تجريم فكرة الخروج على الحاكم وبطلانها مع أنه لم تقم دولة في تاريخ الإسلام بعد عصر الخلفاء الراشدين إلا بالخروج على الدولة التي كانت قبلها، ومع ذلك لم تعدم الأمة فقهاء رفعوا شعار: "من اشتدت وطأته وجبت طاعته"، وإن كان لهذه المقولة وظروفها وضع خاص لا عذرَ لنا في الائتساء به اليوم. والحديث عن الفقه السياسي السني يستدعي وقفة أخرى ليس هذا محلها، لكن علينا أن نلاحظ أن الأحداث ـ لدى الفقهاء ـ تنال شرعيتها من نتيجتها وإن كانت في مبدئها خاطئة في تصورهم، فمن تغلّب من حاملي السلاح سُمّي " أمير المؤمنين "، ومن أخفق سُمّي " الباغي اللعين "!

 مشكلة بعض السلفيين اليوم، أو لنقل جلّهم، أنهم يعتبرون كل محاولة للتجديد في فهم النصوص الشرعية مراعاة لتطور الزمان وتغير البيئة والمكان، وتماشيا مع المعرفة العلمية والإنسانية الحديثة، هو زندقة أو بدعة هدفها تقويض الإسلام وهدمه من الداخل، وإذا كان فرق ما بين أهل السنة والبدعة قديما هو النظر في الكلام (حسب مقولات بعض الأئمة)، فإن فرق ما بينهم اليوم هو (الدعوة إلى فهم النصوص الشرعية بمراعاة الظرف الزماني، وبما تفتقت عنه معارف الإنسان في هذا العصر، وبما يقتضيه اللفظ اللغوي الذي يتسع في استعماله ودلالاته لأكثر مما تم فهمه من ذي قبل)، بل لنقل، باعتزاز وفخر كبيرين، إن شريعة الإسلام لا تستمد صلاحيتها في كل زمن إلا بهذا التجديد الذي يجعل كل إنسان (مسلم وغير مسلم) يقرأ القرآن بلغة عصره، لا بتعسف تأويله أو حمله على غير مقاصده، وإنما بالتعمق في فهمه أكثر وباستنطاق النص ليتكشف في كل زمن على ما لم يتكشف عنه للسابقين.

 وبناء على ذلك، فإن دعاة التجديد (وأقصد هنا أولئك الذين ينطلقون من منطلق الوعي الحضاري والإيمان العميق بشريعة الإسلام الخاتمة، وليس أولئك الذين يتسترون وراء التجديد لهدم ما بقي من التديّن أو للتنصل من الإسلام جملة) هم الأعلم بنصوص الشرع (كتابا وسنة وآثارا للصحابة والتابعين) ومقاصده ومعانيه، وليس أولئك الذين يحاربون التجديد بدعوى تقليد الآباء والأجداد "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" (الزخرف: 23)، (وانظر إلى المعنى الدقيق في الآية فيمن يقول هذا القول: "إلا قال مُتْرَفُوهَا").

 وإذا نظرنا إلى هذا التجديد وفق هذه النظرة الشمولية المقاصدية، فإن ذلك يعني أن اعتبار التجديد (وهو إعمال النظر بجرأة) مجرد (ابتداع/ تقوّل على الله) أمر خاطئ، بل باطل، لأن إعمال النظر مطلب شرعي إلـهي، والجرأة في استخلاص الأحكام مطلوبة محمودة إن كانت وفق قواعد العلم الشرعي واللغوي وما تتفرع عنه العلوم الحديثة، ولهذا لا يمكن بحال السكوت أمام منطق "المحافظون أعلم أو أورع"، لأن الإسلام علمنا بنصوص الوحي على أن مظاهر التقوى (وليس التقوى الحقيقية) لا تعني أن من اتصف بها أقرب إلى الحق من غيره، وما خبر الخوارج في الصحاح عنا ببعيد.

 بقي أن نقول: إذا كان التجديد مرفوضا، وإذا كان كل فهم لم ينطق به الأولون مطروحا، فما فائدة أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم من سمع منه شيئا أن يؤديه كما سمعه، لأن "رُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبّ حامل فقه ليس بفقيه"؟ وماذا كان سيحدث لو سأل كل من تلقى آية أو حديثا من الأئمة والعلماء شيخه : ماذا قال فيه الأولون ليلزمه ولا يخرج عنه؟

 وإذا كان النظر وإعمال العقل مقيّدا، ما فائدة أن يأمر الله الصحابة بالخروج من الجزيرة العربية لتبليغ الدين إلى سائر أقطار الأرض، وفي المدعوّين من بلغ مستويات عليا في المنطق والفلسفة والمعارف التي كانت في ذلك العصر، لولا أن الإسلام هو دين الفطرة ودين العقل المطلق الذي لا يُقيّده قيد؟

 وإذا كان الإعجاز القرآني قائما على الإعجاز اللغوي فقط: فكيف سيستفيد العرب والمسلمون الذين تفلتت من أكثرهم لغة العرب بفصاحتها وبيانها من القرآن، وكيف سيقتنع بصحته غير المسلمين ممن يريد أن يبحث عن الحقيقة؟

 وإذا كان الكافر يعتبر الإسلام ـ فيما مضى ـ قمة التحضر والتطور في مسار حياته لأنه يُخرجه من الظلمات إلى النور، ومن الشك إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الهمجية إلى الحضارة، فأين نضع الإسلام اليوم بمفهوم السلفيين مادامت كل منجزات الحضارة اليوم، أو أغلبها، لاغية أو في حكم الملغاة؟ وما دام أنه على الوافد الجديد في هذا الدين أن يطرح كل تاريخه وتراثه وأفكاره التي تشكلت لقرون، ومنها نضاله السياسي ووعيه المعرفي العلمي، ليحصر نفسه في تصورات ضيقة هي أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة، فهل تحولت شريعة الرحمة والعالمية إلى شريعة العذاب والبدوية الضيقة؟

 لا جرم أنه لا ذنب أعظم من التقليد إلا مُحاربة التجديد !

 ملاحظة أخيرة: لا علاقة للسلفية اليوم بالسلف الصالح، فأئمتنا تعلموا واجتهدوا ونظروا وفق ما تمليه بيئاتهم وأزمنتهم، ومن ينتسب إليهم اليوم نبذ النظر وأسلم لغيره مقاليد عقله، بل واعتبر ذلك هو الدين، وحارب بناء عليه كل مجدد مُجتهد! ألم تكن هذه محنة المجددين دائما ! ؟ وما الفرق بين ما يفعله المقلدون اليوم وما فعلوه بالأمس، لا ريب أن التاريخ سيذكر غدا أن لا فرق بين مقلد ومقلد، تباعدت أزمانهم، وتقاربت ـ بل : وتطابقت ـ أفكارهم.

 أختم هنا بنص لابن خلدون حول الاستبداد والقهر، لتكتمل الدائرة ونرى كيف كان يفهم أسلافنا من العلماء كلا من الشريعة والواقع:

 "ومن كان مُربَّاه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخُبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف، واعْتَبِرْهُ في كل من يُملك أمره عليه، ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء".

 هل كان ابن خلدون فيما ذهب إليه مجدّدا، أم مبتدعا؟ لا ريب أن الجواب سيختلف باختلاف المُجيب.

ملف النهضة: 

التعليقات

صورة amiratasi

ينظر دعاة الإصلاح إلى السلفية على أنها تيار متحجر إقصائي فكرياً و عقدياً و سيعود بالحضارة مع الفكر إلى عهد السلف و مرجع ذلك إلى تركيز السلفيون على خلافهم مع الآخر في البدعة و غيرها و تجاهلهم لمساحة التوافق الكبيرة معه.
كما أن جرأة تلك المدرسة في نقد المظاهر الحضارية المخالفة للشرع يستفز المقدسين للحداثة الصادرين عنها كعقيدة في كل نقد و تحليل بينما يتفق الآخرون على عدم شرعية تلك الممارسات دون الصدع بنقدها و رفضها.
إن ما يخلص المتلقي من اجترار تلك الجدلية بين مدعي الاصلاح و مدعي الاصالة الى آخر الزمان هو عكوف أرباب التيارات المختصين على طرح خلافاتهم و آرائهم في غرف البحث العلمي و ليس في ساحات التجييش الاعلامي في غياب إمكانية الرد من طرف على آخر و غياب الطرح من صاحبه الحقيقي سواء الاصلاحي أم السلفي.
هناك جيوش جرارة من المحللين المسوقين اعلامياً يطرحون القضية كخلاف بين الجمود و التحرر و لا أحد يطرح القضية كقصور حضاري اسلامي أدى إلى تفوق حضارات غير اسلامية فرضت نماذج مدنية سياسية و اقتصادية و ثقافية لها و عليها و لم تثبت التجربة البشرية بعد أنها تستحق التقديس.
و قد تلقفت تلك النماذج مدارس فكرية دينية لم يتوفر لها النضج اللازم بعد قرون الظلام الطويلة فتورطت السلفية في معركة مع الماضي المليء بالبدعة و السلبية والحاضر المليء بما تراه مخالفات شرعية عامة و فرعية.
بينما نحى الآخرون باتجاه أسلمة تلك النماذج و هو مالا يمكن أن يخل من التناقض و القصور لاختلاف الأساس النظري جذرياً بين الإسلام و الحداثة.
و تقف نظرة التقديس للنماذج الحديثة و الاستماتة في الدفاع عنها حائلاً أمام المنحى الثالث و هو بناء نماذج حديثة إسلامية لأن أي نموذج سياسي أو اقتصادي أو ثقافي خارج عن النسق الحديث المكرر هو كفر و ردة مرفوض دولياً و إعلامياً.