٩٤ عاماً أتعبت في مرادها الأجساد!

صورة Nourissa

لقد كان يوماً مشمساً ممزوجاً بعبير الربيع، هرع فيه الناس إلى أحضان الطبيعة في بلد يشتاق ساكنيها للشمس اشتياق الأم لابنها، ولقد كنت أحد أولئك الذين خرجوا ليعانقوا الطبيعة، وأردت أن أزيد عليهم فأقرأ ما تيسر لي أن أقرأ من كتابٍ كنت قد أودعته حقيبتي.

وبعد أن قطعت ما يقرب من خمسة كيلومترات مشياً على الأقدام، ظناً مني بأني خيراً قد فعلت، في رحلة من البلدة التي أقطن فيها إلى بلدةٍ مجاورة، بعد هذا المشي الذي استمر قرابة النصف ساعة، وصلت إلى مشارف وجهتي، وكنت أريد من وجهتي هذه أن اعتلي تلة كبيرة ترتفع ما يقارب المئة مترٍ عن سطح الأرض، ففي أعلاها تقبع قلعة أثرية يناهز عمرها الثمانمئة عام.

 

وفيما بدأت أخط خطواتي الأولى باتجاه الأعلى، وإذ بي أرى عجوزاً قد بلغت من الكبر عتيا، كانت قد سبقتني بعشرات الأمتار، وفي يمينها عصاً تتوكاً عليها و تصارع بخطوات صغيرة يستنجد بعضها البعض، تصارع التلة صعوداً لتشق طريقها نحو الأعلى، عندها تساءلت في نفسي ماذا كانت ستفعل هذه العجوز وبعمرها هذا لو كانت في بلدي، لا أعتقد أنها ستقاوم وتبدل ما ألفت عليه من سبقها، بل ستجلس متدثرة منتظرة الموت قرب المدفئة أو على كرسي في ركن ظليل من أركان المنزل أو أمامه إن احتجت على الواقع وأرادت الخروج.

وبعد أن تجاوزتها بخطوات، والجهد كان قد أخذ من نفسي نصيباً فبدأت ألهث، بقيت عدة خطوات بين مد وجزر وشيء ما بداخلي يدفعني للعودة إليها، لكني لم أستطع في النهاية أن أكبح جماح فضولي  فاستدرت عائداً وحييتها بلغتها، ثم سألتها

هل تودين الصعود حقاً؟

 فأجابت مغاضبةً:  ولماذا تسأل؟

قلت: يا سيدتي إني رجل غريب عن بلدكم هذه، وقد جرت العادة في بلدي أن يجلس من هم بعمرك في المنزل لايصنعون شيئاً إلا أن ينتظرون قدوم الموت إليهم، لكني والله مفتونٌ بصنيعك هذا.

عندها تلاشت معالم الغضب عن وجهها وأتتها نفحة من بشاشة وضحك، تنفستُ على إثرها الصعداء.

قالت والود شيمتها هذه المرة: وهل تعلم يا ولدي كم لي من السنين على هذه الأرض؟

لم أشأ في الحقيقة أن أجيبها ولا حتى أن أخمن عمرها جهراً أمامها، فكما علمتني الحياة " وأنا، وبحكم عمري، لا أملك من هذا العلم الكثير "، علمتني أن لا أخمن عمر امرأة جهراً بوجهها قط، فلن ترضى عن مقولتي أياً كانت، قريباً كنت من عمرها أم ابتعدت.

فقلت: لا سيدتي، لا أعلم ولا أجيد التخمين، لكن هل لك أن تخبريني؟

قالت متبسمةً : أربعة وتسعون عاماً

عندها انتابتني موجة من التعجب، فلم يكن ليخطر على بالي هكذا إجابة، لقد توقف الزمن من حولي، وفي غمرة الجمود هذه شرعت بالتساؤل:

أربعة وتسعون عاماً ويكأني أكاد لا أريد التصديق.

أربعة وتسعون عاماً وقد وهن العظم منها، لكن لم توهن عزيمتها فنهضت من آلامها ولم تستسلم، وقد أصاب الوهن بني جلدتي فأصبحوا معلقين على الزمان الآمال، يترقبون من يأتيهم بالنهضة وهم جلوس.

وما أبرئ نفسي..

أربعة وتسعون عاماً ولم تخجلها خطواتها الصغيرة التي يناشد بعضها البعض من السير قدماً، فقد آثرت الحراك على المكوث، وقد مكثنا طويلاً ننتظر ما تسوقه لنا الأقدار ورفضنا الحراك حتى ملنا التاريخ.

أربعة وتسعون عاماً وهي لا تزال تملك من الإرادة ما يمكنها من صعود التلة، وقد بلغ موت الإرادة عند بني جلدتي ما جعلنا نكاد نجرف الإبداع من القاع، وأي إبداع وأية نهضة نرجوها بلا إرادة.

وما أبرئ نفسي....

أربعة وتسعون عاماً وقد استعانت على ضعفها بعصا، وقد جزعنا وتركنا الهمة وأخلدنا إلى الأرض، ونحن من أوُصينا بأن نستعين بالله ولانجزع.

أربعة وتسعون عاماً والإرادة تعلو جبينها، وأكفنا تعلو رؤوسنا سائلين المولى طول العمر، لنقضيه جلوساً زاهدين منتظرين الموت دون أن نكلف أنفسنا الإضافة إلى الحياة فبتنا عليها زيادة.

أربعة وتسعون عاما وهي لا تزال ترى أنه لديها ما تقوم به في هذه الحياة، حتى لو كان لقاء عابر مع شاب مثلي.

أربعة وتسعون عاماً وما أشبه تلك العجوز في أسفل التلة بتلك القعلة في أعلاها، فلكل منهما حكاية إرادة وتحد.

أربعة وتسعون عاماً ومهما كتبت ومهما سطرت، فلن تبلغ بلاغة ما تخطه الأقلام بلاغة ما رأته الأعين.

 

وبعد عودتي من غياهب الشرود، استطردت العجوز قائلة:

يا بني، إني لست بذاك النشاط الذي تراني، لكن انظر إلى جسدي هذا فإنه قد عانى من الأمراض التي أوهنتني ما عانى، ولا يزال، لكني أردت أن أعود للحياة بإرادة أكبر، أقاوم وأقوّي جسدي واتقوّى على الحياة، لن أجعل الأمراض تنال مني لأجلس حبيسة الآلام.

وقبل أن أودعها دعوت لها الله أن يبارك بعمرها وأن تبلغ القمة بسلام، ثم سألتها أن أحظى بصورة تذكارية إلى جانبها، فاحتضنتي بابتسام وضمتني إلى جانبها في صورة أردتها للذكرى فكانت صورة للعبرة ، ثم تابعت السير على قدمي إلى أعلى التلة وعيناي لاتفارقان تلك القلعة التي في أسفل التلة، وأكملت طريقي متمتماً:

 تعبت في مرادها الأجساد.... تعبت في مرادها الأجساد.

الكلمات المفتاحية: