تجربة جنوب أفريقيا فى بناء العدالة الإنتقالية

صورة ياسر الغرباوي

التاريخ الدامي

كانت جمهورية اتحاد جنوب إفريقيا مثال من أسوأ أمثلة التفرقة العنصرية البغيضة، حيث حكم أربعة ملايين من العناصر البيضاء، حوالي 29 مليون من غير البيض، هذا الاتحاد الذي فقد وحدته قبل أن يولد، وأصبح جنة الأقلية، وجحيم الأغلبية، وقلعة التفرقة العنصرية، فقد سلكت الأقلية البيضاء سياسية عزل الأغلبية غير البيضاء في مناطق تتسم بالفقر والجدب حيث المعازل، ويسخرون في خدمة البيض، وأمعنت سلطات البيض في جنوب إفريقا في سياسة التفرقة العنصرية، وتمادت في تطبيقها مما جلب عليها سخط العالم واستنكاره، أصدرت هيئة الأمم المتحدة عدة قرارات لمقاطعة اتحاد جنوب إفريقيا في سنة 1962م، والسنوات التالية لها، كما قاطعت دول العالم الثالث اتحاد جنوب إفريقيا بسبب التفرقة العنصرية.

التركبية العرقية

يتكون سكان جنوب إفريقيا من عناصر عديدة، وكانوا ينقسمون حسب نظم التفرقة العنصرية إلى مجموعتين: البيض وغير البيض، ويبلغ عدد البيض حوالي 5 ملايين نسمة، بينما عدد الوطنيين، وهم قبائل البانتو أكثر من 24 مليون، وعدد الملونين والآسيويين 4 ملايين، أي أن عدد غير البيض يقترب من 29 مليونًا، وهم بذلك يشكلون أغلبية سكان اتحاد جنوب إفريقيا، وتتكون الأقلية البيضاء من سكان جنوب إفريقيا من عناصر أوروبية هاجرت إلى جنوب إفريقيا أثناء احتلال هذه المنطقة، ومن العناصر البيضاء هولنديين، وألمان، وبريطانيون، وفرنسيون، هذا الخليط من العناصر أطلق على نفسه «الأفركانيرز»، وخلق قومية جديدة من هذا الشتات، ويتحدثون لغة مشتقة من الهولندية ممزوجة بكلمات ألمانية وإنجليزية أطلقوا عليها لغة «الأفركانرز».

يتكون الإفريقيون – وهم الأغلبية- من البانتو، ويتكونون من مجموعات عديدة منها مجموعة نجوني، ومجموعة تسونجا، ومن المجموعة الأولى السوازي، وشعب الزولو، وكان الزولو أمة مرهوبة الجانب قبل الاستعمار الأوروبي، ومن المجموعة الثانية قبائل تسونجا، ورنجا وتسوا، وإلى جانب المجموعتين السابقتين جماعات فندا، والسوتو، وهكذا تتعدد قبائل البانتو.

أما العناصر الملونة فتشكل من خليط نتج عن تزاوج بين الهونتنوت – وهم عنصر إفريقي- بالأوروبين الأوائل، وخليط نتج عن تزاوج بين الآسيويين أو الأوروبيين، وتتكون العناصر الآسيوية من المهاجرين إلى جنوب إفريقيا تحت سخرة العمل من الماليزيين والهنود والباكستانيين، وهكذا شعوب اتحاد إفريقيا تتكون من عدة عناصر

مسيرة التحرر

اتبعت حركة مناهضة سياسات التمييز العنصري في جنوب إفريقيا طوال الخمسينات عددًا من أساليب الكفاح الوطني؛ ففي عام 1952م أعلن المؤتمر الإفريقي عن شنِّ «حملة تحد»، نظم خلالها عددًا من هذه الأساليب طوال حقبة الخمسينات، وقد تضمنت هذه الحملة حملة لمقاومة سياسة التمييز العنصري في مجال التعليم في الفترة من (1953ـ 1955م)، وحركة مقاطعة الحافلات في الفترة من عام (1955 وحتى عام 1959م) احتجاجًا على انخفاض الأجور، وقد أحرزت حركات مقاطعة الحافلات في مقاطعات إيفاتون وألكسندرا وجوهانسبرج نجاحًا شجع مواطني جنوب إفريقيا على الاستمرار في الاحتجاجات الوطنية.

وقد ساهمت حركة مقاطعة الحافلات الناجحة في جوهانسبرج في خلق مناخ من المقاومة الوطنية، وبرز قادة أكفاء من خلال هذه المقاومة، وبالرغم من عدم مشاركة المؤتمر الوطني الإفريقي في حركة مقاطعة الحافلات، إلا أنه دعا على إثر نجاحها إلى مقاطعة الشركات القومية ومنتجاتها، وشهدت أواخر الخمسينات عددًا من الأنشطة والحركات الأخرى نتاجًا لما أفضت إليه حركة مقاطعة الحافلات من إحساس الأفارقة بمزيد من الثقة بقوتهم وبفاعلية الكفاح الوطني

وبعد نجاح حزب المؤتمر الإفريقي بقيادة المناضل نيلسون مانديلا، وإجبار حكومة الأقلية على الاعتراف بالحقوق الدستورية الكاملة لكل المواطنين، أصبح لكل مواطن – بغض النظر عن لونه أو عرقه أو دينيه- حق التصويت والمشاركة في الانتخابات على أساس «one vote one man».

في نيسان /أبريل  1994م أجريت أول انتخابات برلمانية غير عنصرية، شارك فيها 86 بالمائة من الناخبين، وفي أيار /مايو من تلك السنة، اجتمع البرلمان الجديد لأول مرة بصفته جمعية تأسيسة، وفي أوساط التسعينات من القرن الماضي أصبحت العملية الدستورية في جنوب إفريقيا المثال الكامل لعمليات الدساتير القائمة على  مشاركة المواطنين.

الاستراتيجية الفعالة لحزب المؤتمر الإفريقي

التنوع من شقاقي إلى اشتمالي:

وأترك هناك الزعيم مانديلا يشرح لنا كيف جعل تنوع شعب جنوب أفريقيا قوة وليس ضعفا «ففي السابع والعشرين من شهر أبريل /نيسان 1994م، أرسى شعب جنوب إفريقيا أمة على أساس التعهد بأننا سنمحو إرث ماضينا المجزأ؛ لكي نبني حياة أفضل للجميع.

لم يكن هذا عهد قطعناه باستخفاف، لقد دفع الملايين إلى بؤرة الفقر عمدًا عبر أجيال، ولكي يخلد نظام التفرقة العنصرية نفسه، كانت القوة الغاشمة وحدها هي التي تحافظ على النظام «الأبارتيد» ذاك، الذي ادعى أنه مكرس بإدارة السماء، فسلبنا جمعيًا إنسانيتنا، المقموعين منا والقامعين على حدٍّ سواء، لقد ناضلنا خلال  عقود من الزمان من أجل مجتمع غير مميز عنصريًّا، غير مميز جنسيًّا، وحتى قبل وصولنا للسلطة في الانتخابات التاريخية عام 1994م، كانت رؤيتنا  للديمقراطية محكومة بمبادئ من بينها مبدأ يقول: إنه لا يجوز أن يتعرض أي شخص أو تتعرض أي مجموعة من الأشخاص للاضطهاد أو الإخضاع أو التمييز بسبب العرق أو الجنس أو الأصل الإثني أو اللون أو العقيدة، وما إن وصلنا إلى السلطة حتى قررنا اعتبار تنوع الألوان واللغات مصدرًا للقوة، بعد أن كان يستخدم في الماضي للتفرقة بيننا، لقد ضمنا أن القانون الأساسي للبلاد – دستور وميثاق حقوق المواطنين – يعزز الوحدة الوطنية، ويوجه اهتمامًا خاصًا إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

لم يكن طريقنا نحو الاندماج جديدًا، كما لم يتم اخيتاره بتسرع؛ إذ كان المؤتمر الإفريقي يدعو طيلة عقود إلى الوحدة الوطنية، وحتى في ذورة العنف والقمع عندما كان الاختلاط العرقي يُوصل للسجن أو الموت، لم نتخل أبدًا عن هدفنا في بناء مجتمع قائم على الصداقة، وعلى الإنسانية المشتركة.

والآن على الرغم من القوانيين لم تعد تقوى الانقسامات القديمة، فإنها ما زالت ماثلة للعيان في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مناطقنا السكنية، وفي أماكن العمل، وفي اتساع شقة عدم المساواة بين الأغنياء والفقراء.

عندما تولينا مشروع تحويل مجتمعنا، كان أحد شعارات نضالنا: «التحرر من العوز»، وكان هدفنا القضاء على الجوع والفقر والأمية والتشرد، وضمان الحصول على الغذاء والتعليم، ورأينا الحرية صنوًا لا ينفصم عن الكرامة والإنسانية والمساواة بين البشر، الآن وُضع الأساس لحياة أفضل وبدأ البناء، ونحن نُدرك تمامًا أن حريتنا وحقوقنا لن تكتسب معناها الكامل إلا عندما ننجح معًا في التغلب على انقاسامات ماضينا وإجحافاته، وفي تحسين حياة الجميع وبخاصة الفقراء.

اليوم نبدأ في حصاد بعض النتائج التي غرسناها في نهاية مجاعة جنوب إفريقيا، ثمة كثيرون في المجتمع الدولي ممن راقبوا عن بُعد كيف تحدى مجتمعنا نُذراء الشؤم ونكهتاهم بنزاع لا ينتهي، يتكلمون عن معجزة، لكن أولئك الذين شاركوا في عملية التحول إلى ما نحن عليه الآن، سوف يعرفون بالتاكيد أن ذلك التحول كان نتيجة قرار اتخذه بشر” كانت هذه رؤية الزعيم نليسون مانديلا للمستقبل الباهر لجنوب أفريقيا كما يراه هو وحزبه .

تكنيكات التلاحم بين السود والبيض:

1-    المساواة في التوظيف

عند انتهاء نظام التفرقة العنصرية (الأبارتايد) في عام 1995م، كان البيض يشكلون نسبة 13% من السكان، ويجنون 59% من الدخل الخاص، فيما كان الإفريقيون الذين تبلغ نسبتهم 76% من السكان يحصلون على 29%، وأظهر مسح أجري في عام 2000م، وشمل 161 شركة كبيرة توظف 560 ألف عامل، أن البيض ما زالوا حتى ذلك الحين يحتلون 80% من المناصب الإدارية، كذلك كان الفارق العنصري في الأجور كبيرًا، وإن كان قد تناقص بنسبة كبيرة عن ذي قبل؛ إذ في أواخر تسعينات القرن الماضي كان العمال البيض يكسبون أجورًا يزيد معدلها خمس مرات عن أجور الإفريقيين، رغم أن نصف هذا التفاوت كان يعلل بفارق التعليم والمكان.

في فترة ما بعد الأبارتايد، بدأت الحكومة الديمقراطية بتطبيق سلسلة من البرامج المصممة لتخفيض هذه الفوارق؛ فقانون المساواة في التوظيف الصادر في عام 1998م يفرض على أصحاب العمل أن يقدموا معلومات عن مبالغ التعويض والمنافع في كل فئة مهنية على أساس العنصر والجنس، وأن يتخذوا الإجراءات الملائمة إذا كانت هناك اختلافات غير مناسبة في دخل العاملين، ويتعين على الشركات التي يفوق حجمها حدًّا معينًا أن تزود الدولة بتقارير سنوية توضح وتخطط لجعل قواها العاملة تمثل التركيبة السكانية على جميع المستويات بشكل أفضل.

يقول القانون أيضًا: إن نقص الخبرة اللازمة لدى فرد من مجموعة مشمولة بالحماية ليس سببًا كافيًا لتوظيف شخص آخر مكانه، ما دام طالب العمل يمتلك القدرة على اكتساب المعرفة اللازمة للقيام خلال فترة زمنية معقولة، بالإضافة إلى ذلك تحدد مواثيق تمكين السود لكل صناعة أهدافًا لنسب الأسهم التي يجب أن تنتقل ملكيتها إلى السود (الإفريقيين الأصليين، والملونيين، والآسيويين)؛ كما نشرت مواثيق كهذه لقطاعات البترول والمناجم والمصارف، ويهدف هذا التوجه العام إلى نقل ملكية حوالي ربع الأسهم في جنوب إفريقيا إلى أيدي السود خلال عقد من الزمن أو نحو ذلك.

ماذا حققت هذه الجهود؟ قرابة نصف المديرين من المرتبة المتوسطة وربع المديرين من المرتبة العليا في جنوب إفريقيا هم اليوم من السود، مقابل لا أحد تقريبًا قبل عشر سنوات؛ كما حصل السود على ترقيات سريعة بشكل خاص في القطاع العام؛ إذ لا يوجد منافسون للحكومة، غير أن الحكومة التي رفعت عددًا كبيرًا ممن لا يتمتعون بمؤهلات كافية، اضطرت إلى توظيف عدد كبير من المستشارين لمساعدة هؤلاء؛ لكن ذلك الوضع تغير، فالفعالية قضية مطروحة للنقاش، حيث تعليمات المشتريات على أن الشركات التي يملكها سود تستطيع أن تطلب ثمنًا أعلى وتكسب عقودًا حكومية رغم ذلك، الأمر الذي يبقي أموالاً أقل للمصانع العامة كالطرق والمساكن والجسور.

أما بالنسبة لمواثيق تمكين السود، فلم يتضح بعد كيف سيمول نقل ملكية الأسهم هذه؛ لأن المماراسات الراهنة لتمكين السود لم تخلق منتجات جديدة أو شركات مستقلة جديدة لا تدعمها شركات كبيرة يملكها البيض، كما يقول المعلق المعروف «مولتشي موبيكي».

2-  اللغات والدستور الجديد

حاولت جنوب إفريقيا توسيع مجالات الاختيار أمام الذين لا يعرفون الإنكليزية والإفريقانية بالدعوة إلى اعتماد 11 لغة رسمية معترفًا بها في الدستور (منذ 1994م)، منها 9 لغات للسكان المحليين، بالإضافة إلى الإنكليزية والإفريقانية، ورغم وجود برنامج طموح للترجمة في المحاكم يبرز معظم الدول الأخرى، ما زال هناك تحيز لصالح الإنكليزية؛ فقد أظهرت دراسة عن المحاكم في كواكوا في «الولاية الحرة»، وهي منطقة يتكلم معظم سكانها لغة سيسوتو، أنه حتى عندما يكون القاضي والمدعي والمتهم إفريقيين ويتكلمون لهجة سوتو الجنوبية كلغة أم، فإن إجراءات المحاكمة تدار بلغة إنكليزية من الدرجة الثانية، وبمساعدة مترجم تعينه المحكمة يترجم من لغة ستسوتو، وإليها لفائدة المتهم.

الخلاصة

كل ما سبق يُعتبر محاولات جادة من قبل المجتمع الجنوب أفريقي لتجاوز متاعب الماضي والإبحار نحو المستقبل بقوة وثبات، فقد قدمت تجربة دولة جنوب أفريقيا دروس إنسانية مفيدة للشعوب والأمم التى تحاول بسط العدالة الإجتماعية والإقتصادية على ربوعها العامرة، فهل من الممكن أن تجد دول الربيع العربي عبرة فى هذه التجربة ؟